“التّوجّه” فلسفة ألمانية جديدة لأجل عالم لا ثوابت فيه في زمن كورونا
آخر تحديث GMT22:37:16
 لبنان اليوم -

تسعى إلى فتح آفاق أمام تفكير الأفراد بدلًا من البحث عن حقائق كليّة

“التّوجّه” فلسفة ألمانية جديدة لأجل عالم لا ثوابت فيه في "زمن كورونا"

 لبنان اليوم -

 لبنان اليوم - “التّوجّه” فلسفة ألمانية جديدة لأجل عالم لا ثوابت فيه في "زمن كورونا"

زمن كورونا
مدريد - لبنان اليوم


لقد تغيّر العالم كثيرًا خلال وقت قصير. وعلى نحو دراماتيكي وجدت البشريّة نفسها بلا أسلحة نظريّة ولا ثوابت فكريّة أو طرائق عمل ذات قيمة فعليّة في مواجهة كارثة وباء “كوفيد - 19” وما يترّتب عليها. ولكن أين الفلسفة من هذا كلّه؟ ولماذا رغم كل الأموال التي تصرف على أكاديميات محبي الحكمة وكتبهم ومجلاتهم لم نجد - في وقت الأزمة - فلاسفة قادرين على توجيهنا للتعامل مع تقلبات الزّمن؟

 

الواقع أن الفلسفة المعاصرة ربّما كانت تستعد لمثل هذه التحوّلات بتمهّل، وكتب أحد المفكرين قبل سنوات قليلة تصوراته عن شكل العالم تاليًا، معتبرًا أن ساعة منتصف ليل البشريّة ستكون مع نهاية العقد الحالي، قبل أن تتدّخل “كورونا”، وتُعيد لخبطة جميع الأوراق. لكنها وكما انتهت إليه هذه الأيّام على يد الأكاديميّات الغربيّة أصبحت أكثر ارتباكًا وغموضًا من حالها في أي وقت مضى، وانقسمت إلى مجالات غير مترابطة: في مكان ما تسعى الآن إلى وضع معايير محددة للدّقة أو العدالة أو الحقيقة، وفي مكان آخر تعمل على معالجة قضايا نظرية أو عملية موغلة في التخصص، أو هي في بقيّة الأماكن لا تزيد عن اجترار مدرسي، وإعادة مضغ للتراث الفلسفي المتراكم منذ “جمهوريّة” أفلاطون، وعلى العموم باتت أشبه بمظلّة عريضة تجمع بين شلل متعارضة يمكن التنقل بينها دون تأزّم فكري، واسمًا جليلًا عتيقًا أشبه بسيارة كلاسيكيّة لا قيمة فعليّة لها في الحياة اليوميّة سوى ما تثيره من ذكريات نوستالجيّة عن ماض كان أكثر تعقلًا من لحظتنا الرّاهنة.

 

وهكذا فلسنا وحدنا فقدنا الاتجاه في هذا العالم الذي نعيش، بل الفلسفة أيضًا أضاعت بوصلتها ولم تقدم للبشريّة في هذا المنعطف، ولو نظرة عامة أوليّة أو قليلًا من اليقين، مستقيلة من دورها الأساس - كبحث في أساسيات الوجود والتفكير والعمل - واستخلاص النتائج واقتراح توجهات حول كيفية تعاملنا بشكل أفضل مع عالم يتغير بلا هوادة، في الحياة اليومية وكذلك العلوم البحتة والإنسانية. وإذا كان ثمّة من يُلام على هذا التخلّي فلن يكون سوى الجامعات الغربيّة (الأنغلوفونيّة) ومنهجية التعليم فيها التي أُخضعت بالكامل للآيديولوجيا السياسيّة المهيمنة، ودفعت بالفلسفة إلى ركن عاجي للانشغال بقضايا نظريّة محضة دون أي تماس مع الواقع.

 

ومع ذلك، فإنّ هنالك أخبارًا بارقة تأتي من ألمانيا - مهد الفلسفة الغربيّة قبل أن تنتقل مفاتيحها إلى خارج البرّ الأوروبي - وذلك بتشكّل مدرسة جديدة تطرح أفكارًا مثيرة للاهتمام بشأن الصيغة التي يمكن فيها للفرد - غير المتخصص - الاستفادة من الفلسفة في تحديد توجهات بشأن علاقته الشخصيّة بالعالم حوله في ظلّ أجواء انعدام اليقين واستحالة توقّع المستقبل بأي درجة مقبولة من الدّقة. ويطلق على هذه المدرسة اسم “فلسفة التوجه”، وهي تتمحور بشكل خاص حول أعمال البروفسور والفيلسوف الألماني المعاصر فيرنر ستيغماير (مواليد 1946)، لا سيّما بعد صدور كتابه “التوجّه: تحقيق فلسفيّ”، بالألمانيّة: “Philosophie der Orientierung”، عام 2008 لحظة الأزمة الماليّة العالميّة، مثيرًا بعضًا من الجدل المتخصص في بلاده حصرًا، إذ تجاهله العالم الأنغلوفوني لعقد تقريبًا، ولم تتعاط بأفكاره الأكاديميّات قبل أن يكتشفه مايك هودجز، وهو مالك شركة لإدارة الاستثمارات والمضاربة الماليّة، الذي كلّف راينهارد مولر - صديق له من أصول ألمانيّة حاصل على دكتوراه بالفلسفة - بنقل الكتاب إلى الإنجليزيّة، وأسس وقفيّة خاصّة تتولى نشر أفكار ستيغماير في الولايات المتحدة وعبر البلاد الأنغلوفونيّة. وللحقيقة فإن النسخة الإنجليزيّة التي نشرتها الوقفيّة، وأُنجزت بتعاون وثيق مع المؤلّف لضمان ضبط المصطلح الفلسفي بين اللغتين جاءت تحديثًا مفيدًا للنص الأصلي، فأزيلت منه الشروحات الأكاديميّة وبعض الموضوعات المتعلقة بحيثيّات ألمانيّة محليّة الطابع، كما الحواشي والقوائم وأسماء المراجع الألمانيّة العديدة، فيما أضيفت مقدّمة جديدة وفصول مستجدّة عن مسائل لم تعالجها نسخة 2008 كالرقمنة والعولمة، ليقترب الكتاب بالفعل من هدفه الأساس: عدّة عمل لتنوير القارئ العادي ومساعدته على التفكير في “توجهاته”، ومنحه القدرة على مواكبة العصر والقوة لاتخاذ القرارات في ظروف جديدة على الإطلاق على نحو يسمح بالاستمرار في طريق ما، أقلّه لبعض الوقت لحين يصبح اتخاذ توجهات مغايرة ضروريًا.

 

“التّوجه” في هذا السّياق أبعد ما يكون عن تمرين ترفٍ فكري - بل هو عمليّة تتحدى الفرد، وتدفعه للتفكير مليًّا في إيجاد مسارات عبر ظروف الحياة الإنسانيّة ليس فقط لناحية اليوميّات، ولكن أيضًا لأن البقاء في عالمنا الشديد التقلّب بات يعتمد وبشكل متزايد على حسن “التوجّه” الذي نتخذه.

 

إذا كان كل توجه هو في النهاية اختيار بين مسارات ممكنة تحت ظروف حالة معينة، خاصة أو اجتماعية، أو حتى عالمية، فإن “فلسفة التوجه” تتطلب دائمًا من الفرد لتعظيم تلك المسارات حسمًا مبكرًا في تحديد المصطلحات وضبط المفاهيم كنقطة انطلاق لكل طريقة مجدية للتفكير أو التحدث أو التصرّف. وهي لذلك تعيد تعريف الدّور الذي ينبغي للفلسفة أن تلعبه اليوم عبر تقديمها للأفراد غير المتخصصين فرزًا وإعادة نظر في مجمل النتاج الفلسفي المتراكم وتعريفًا بقيمته التطبيقيّة، بالترافق مع إعادة توجيه بوصلة الممارسة الفلسفيّة - وبالتعاون مع العلوم - بعيدًا عن المسائل المغرقة في التجريد بحثًا عن الكوني والنهائي والخالد إلى ساحة إعانة الأفراد على إدارة موضعهم من العالم، ومنحهم الأدوات للتعاطي مع المؤقت والعابر والمتغيّر، وتحسين قدرتهم على اتخاذ القرارات في أجواء عدم التيقّن الغالبة، ومن ثمّ التحقيق في كيفية تجلي توجهات الأفراد في الحياة الاجتماعية سلوكيّات: أي في تفاعلاتهم مع التغيّرات واتصالاتهم بالآخرين وفي نظم الاجتماع الوظيفية، مثل الاقتصاد والإعلام والسياسة والقانون والعلوم والفن والدين، ومحاولة القبض على الكيفيّة التي تكتسب فيها تلك التوجهات أهمية معنوية وأخلاقية، وكيف تتأثر بالظواهر المستجدة للعولمة والرّقمنة، وأسرار علاقتها بالميتافيزيقيا، ودائمًا دون توقع أسباب أو مبررات أو تقييمات عالمية سرمديّة الطابع.

 

ولا شكّ بالطبع من أن منهج “فلسفة التوجه” هذا ليس مبتكرًا بالمطلق - إذ لا يمكن بالفعل ابتداع فلسفة جديدة تمامًا. فـ”التوجهات - وفق ستيغماير - هي دائمًا نوع من إعادة التوجيه”. وعلى نحو خاص، “فإن فلسفة التوجه” قريبة بشكل خاص من أفكار الفرنسي بليز باسكال (1623 - 1662) الذي أعرب مبكرًا وبشكل لافت للنظر عن الحاجة إلى “التّوجه”، كما مباحث الألماني إيمانويل كانت (1724 - 1804) الذي وضع تلك الحاجة في خضم فلسفته النقدّية للعقل المحض، ومجادلات فريدريك نيتشه (1844 - 1900) قبل أن يكتسب المفهوم أول تشكلّ حقيقي له في المدرسة البراغماتية الأميركية - لا سيّما أعمال وليام جيمس (1842 - 1910) - في فضاءات التجريبية والنفعية، وبعيدًا عن الحلول اللّفظية، والافتراضات المسبقة، والمبادئ الثابتة، والنظم المغلقة، والالتصاق المرضي بالمُطلَقات والأصول.

 

من خلال تأكيدها على فرديّة وزمانية التّوجه الإنساني، توسّع “فلسفة التوجه” آفاق التحقيق الفلسفي أمام تفكير الأفراد وتصرفاتهم في العالم، وبدلًا من إهدار أعمارهم القصيرة في البحث عن حقائق كليّة، تمنحهم الهدوء اللازم لتقييم الوقائع والأخبار الكاذبة معًا، لتكون المهمّة باستمرار أمامهم الاختيار بينهما. هذه القدرة على الاختيار تحرر توجهاتنا نحو آفاق جديدة من التفكير والسلوك وطرائق العيش قد تساعدنا على مواكبة تحولات الأزمنة. فـ”سعادة المكتشفين العظماء في سعيهم لليقين يمكن أن تتحول الآن إلى حبور بالعثور على عدم اليقين والمغامرة في كل مكان”، كما كتب نيتشه يومًا في دفتر ملاحظاته.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

“التّوجّه” فلسفة ألمانية جديدة لأجل عالم لا ثوابت فيه في زمن كورونا “التّوجّه” فلسفة ألمانية جديدة لأجل عالم لا ثوابت فيه في زمن كورونا



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 22:24 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

تتمتع بالنشاط والثقة الكافيين لإكمال مهامك بامتياز

GMT 16:45 2019 الخميس ,04 إبريل / نيسان

أبرز الأحداث اليوميّة عن شهر أيار/مايو 2018:

GMT 15:36 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

تثق بنفسك وتشرق بجاذبية شديدة

GMT 18:23 2025 الخميس ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

كيا سبورتاج 2026 تحصد لقب "أفضل اختيار للسلامة بلاس" لعام 2025

GMT 16:36 2019 الأربعاء ,01 أيار / مايو

النشاط والثقة يسيطران عليك خلال هذا الشهر

GMT 16:31 2025 الثلاثاء ,16 كانون الأول / ديسمبر

زلزال بقوة 5.2 درجة يضرب قبالة سواحل آومورى اليابانية

GMT 23:07 2019 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

البياوي يبدأ مهمته في القادسية

GMT 07:33 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

نقاط ضعف رجل الدلو في الحب وكيفية التعامل معها بذكاء

GMT 19:00 2025 الجمعة ,26 كانون الأول / ديسمبر

السودان تحذر من تفشي الحصبة في دارفور بعد تسجيل 1300 إصابة

GMT 05:00 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

تصاميم في الديكور تجلب الطاقة السلبية

GMT 05:12 2026 السبت ,03 كانون الثاني / يناير

مصرع 11 سائحا وإصابة 11 آخرين بحادث سير في البرازيل

GMT 07:24 2021 الإثنين ,01 آذار/ مارس

غفران تعلن مشاركتها في "الاختيار 2" رمضان 2021

GMT 23:14 2019 الثلاثاء ,12 آذار/ مارس

يوسف عنبر مدربًا للمنتخب السعودي
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon