محدّدات القراءة العلميّة للوجود

محدّدات القراءة العلميّة للوجود

محدّدات القراءة العلميّة للوجود

 لبنان اليوم -

محدّدات القراءة العلميّة للوجود

الطيب بوعزة

ما هي المُسلّمة الفلسفية التي تقوم عليها الممارسة العلميّة؟ يُحدّد الفلاسفة المدلول الغائي للعلم في كونه نشاطًا عقليًا يستهدف فهم الطبيعة.

وبتحديدهم هذا يتضح أنَّ التفكير العلمي يرتكز ابتداء على فكرة مبدئية مسبقة تتمثل في الاعتقاد بقابلية الطبيعة للفهم والعقلنة، وإلا ما جعلها العلم موضوعًا لعملية الفهم والتعقيل.

وهذا ما يصطلح عليه فلسفيًا بمسلّمة "محايثة العقل للوجود"؛ أي أنّ الوجود الطبيعي منتظم على نحو معقول وقابل من ثمّ للتفسير.

 

إنّ هذه المسلّمة الثاوية داخل العقل العلمي هي منطلق مبدئي للممارسة العلميّة؛ وبذلك يستوي العلم مع غيره من أنماط التفكير في احتوائه على مسلّمات غير مُبرهنة، حيث تتخذ منطلقات للبرهنة على غيرها لا على ذاتها.

وهذا ما نجد توكيده في النظرية المنطقية، مع كورت غودل، حين بيانه استحالة أنَّ يبرهن نسق معرفي على جميع قضاياه؛ أي لا بُدّ للأنساق المعرفية من أنَّ تحتوي على مسلّمات ابتدائية غير مبرهنة، تكون منطلقاً لها.

كيف يقارب العلم الوجود الطبيعي هذا الذي كان لا بُدّ له حتمًا من التسليم بمعقوليته؟ وما هي المحدّدات التي اشتغل بها في مقاربة الوجود؟

إنّ الطبيعة مجموعة أشياء وظواهر محكومة بالصيرورة والحركة، وللإمساك عقليًا بهذا الوجود الطبيعي، كان لا بُدّ للعلم من أنَّ يصطنع أداوت ووسائل لتمكينه من إدراك الكون.

ومن بين أهم هذه الوسائل المفاهيم: فامتداد الأشياء والظواهر يقاربه العلم بمفهوم المكان؛ وصيرورة الوجود؛ أي حراكه، يقاربه بمفهوم الزمان... ثم إنّ تتالي الظواهر واحدة تلو أخرى جعل العلم يصطنع مفهوم العلاقة السببية/الحتمية لعقلنة هذه الصيرورة.

وعندما يضع علاقة سببية يحرص العلم على صياغتها رياضيًا، حيث ينزع العلم الحديث نحو تكميم الظواهر، بناءً على اعتقاده بأنّ "الكون مكتوب بلغة رياضية" كما يقول غاليليو.

إنّ العلم الغربي، منذ بدء انطلاقته الفعّلية في القرن السابع عشر مستفيدًا من الرصيد الثقافي العربي، اعتمد على هذا التصور السابق إيضاحه؛ أي انتظام الطبيعة وقابليتها للصياغة والتكميم الرياضيين؛ لأنها خاضعة لقوانين حتمية.

لكنّ المُستجدات التي انبجست في بداية القرن العشرين خفّفت من غلواء هذا التصور الحتمي للوجود الطبيعي، وأدخلت معطىٍ جديدًا لا ينتظم وفق علاقة الحتمية، إذ تبيّن أنّ الوجود غير قابل للاستدخال بكل ظواهره ومجالاته ضمن هذه الأطر والمقولات الذهنية التي يعتمدها الوعي العلمي.

فالمجال ما تحت الذّري مثلاً ليس مجال سببية وحتمية، كما هو الشأن في المجال الفيزيائي المرئي، لذا نجد هيزنبرغ يقترح قانون "اللاتحديد"، أو "عدم التعيين"، كمدخل منهجي ضروري لفهم البنية الداخلية للذرّة، وهذا ما فرض من ناحية أخرى اعتماد المقاربة الإحصائية الاحتمالية.

والواقع أنه قبل هيزنبرغ؛ أي بدءً من أبحاث ماكس بلانك، لم يعد يكفي لدراسة الظاهرة الكونية الاعتماد على نيوتن وماكسويل، بل اتضحت ضرورة الانتقال إلى نموذج معرفي جديد يجاوز مفاهيم السببية والحتمية.

وبالنظر إلى الأبحاث الدارسة لإشكالية فيزياء الكمّ، نرى أنّ بعض التأويلات المتفلسفة التي أطلقها الفيزيائيون تنزع نحو القول بأنّ الصدفة هي وجودية وليست معرفية؛ بمعنى أنّ الوجود ما تحت الذرّي وجود خارق للانتظام السببي، وعدم كشف أسباب وأشكال انتظامه ليس نتاج ضعف وسائلنا في المعرفة، بل نتاج طبيعة الوجود ما تحت الذرّي ذاته.

لكني أميل إلى الاعتقاد بأنّ هذا التصور الذي يرجع الصدفة إلى الوجود يفتقر إلى الاستدلال؛ فهو مجرد افتراض.

وهنا أستحضر جاك هارتونك J.Harthong أحد كبار المتخصّصين في حساب الاحتمال، حيث يميّز بين ما يسميه بالصدفة الموضوعية الهشة، والصدفة الموضوعية الصلبة؛ فالأولى تتحصّل بسبب ضعف أدوات المعرفة، أمّا الثانية فهي صدفة أنطلوجية حاصلة بسبب طبيعة الوجود ذاته الذي تنتفي منه السببية.

وفي سياق بحثه في هذين النوعين من المداخل المنهجية الدارسة لإشكالية الصدفة في الوجود الطبيعي، ينتهي إلى أنّ الأمر غير قابل قطعًا للبتّ والتوكيد.

فلا يستطيع العلم أنَّ يجزم بأنّ الصدفة ما هي إلا نتاج ضعف أدوات المعرفة، كما لا يستطيع الجزم بأنها راجعة إلى طبيعة الوجود ذاته، بل كلّ ما هو ممكن هو اعتبار أحد الفرضين كمُسَلَّمة عقليّة.

وفي هذا توكيد لنسبيّة القدرة المعرفيّة البشريّة، ومحدوديّة إدراكها للوجود.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

محدّدات القراءة العلميّة للوجود محدّدات القراءة العلميّة للوجود



GMT 12:59 2019 الجمعة ,15 آذار/ مارس

عملية حلقة المعدة وعملية التكميم

GMT 08:28 2017 الإثنين ,11 كانون الأول / ديسمبر

عشر نصائح لشعر صحي

GMT 13:34 2017 الأربعاء ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

دجالون يدعون الإشفاء من السرطان والسّكري

GMT 19:13 2017 الأحد ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

الجروح الخفية

GMT 21:18 2017 الخميس ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مضاعفات تعاطي الحشيش

GMT 13:35 2017 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

كيمياء العطاء

GMT 09:35 2017 الإثنين ,04 أيلول / سبتمبر

ملفات في الدماغ

GMT 04:04 2017 الخميس ,03 آب / أغسطس

مرض الصرع 

نادين نسيب نجيم تتألق بإطلالات لافتة في عام 2025

بيروت ـ لبنان اليوم

GMT 23:58 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

زيلينسكي يؤكد أن اتفاق السلام مع روسيا بات جاهزا بنسبة 90%
 لبنان اليوم - زيلينسكي يؤكد أن اتفاق السلام مع روسيا بات جاهزا بنسبة 90%

GMT 16:44 2021 الإثنين ,15 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 13:20 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

ما كنت تتوقعه من الشريك لن يتحقق مئة في المئة

GMT 21:45 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 13:53 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 13:10 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

الضحك والمرح هما من أهم وسائل العيش لحياة أطول

GMT 14:02 2020 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:36 2025 الثلاثاء ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

إطلالات النجمات تخطف الأضواء في حفل Fashion Trust Arabia 2025

GMT 12:09 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

يسود الوفاق أجواء الأسبوع الاول من الشهر

GMT 19:11 2022 الثلاثاء ,05 إبريل / نيسان

إطلالات رمضانية مُستوحاة من هند صبري

GMT 22:14 2015 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

معهد المخطوطات العربية يصدر كتاب "متشابه القرآن"

GMT 13:59 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon