ذكرى «محمود درويش» 22

ذكرى «محمود درويش» (2-2)

ذكرى «محمود درويش» (2-2)

 لبنان اليوم -

ذكرى «محمود درويش» 22

عمار علي حسن

لم ينشغل الذين طلبوا من الشاعر الفلسطينى الكبير محمود درويش أن يطلق القضية الفلسطينية إن أراد الحصول على نوبل بأن يفتحوا فرجة للحوار معه حول كتاب فرانسيس ستونز «الحرب الثقافية الباردة» أو كتاب «تزفيتيان تودورف» الأخير «الأدب فى خطر»، ولم يستفيضوا فى الكلام معه عن سر خلود المتنبى وجلال الدين الرومى وطاغور ولوركا وليرمانتوف وناظم حكمت، فقط أرادوا أن يخطفوه فى غفلة من الوطن والناس، بعد أن مارس بعضهم عليه قدراً من التجاهل لأنه ظل مخلصاً للوزن والصورة والمفارقات، وأغمضوا عيونهم عن المسارب التى حفرها «درويش» بين «التفعيلة» و«النثر»، وبين الخاص والعام، وبين اليومى العابر والمكنوز فى جعبة التاريخ، وتعمدوا أن يهيلوا التراب على حقيقة جلية كشمس الظهيرة تقول إن «درويش» كتب للعشق والموت والمطر والشجر والرضا والغضب والقلق والاطمئنان، والكثير من المشاعر والقيم الإنسانية العابرة للسدود والحدود والقيود، وإنه حين كتب عن البنادق والخنادق على أرض فلسطين وفى المنافى فإن كتابته لم تكن أبداً مجرد رصاصة طائشة، ولا حفنة تراب تذروها الرياح، بل كانت عملاً إنسانياً بديعاً وخالداً، يرى كثيرون فى مشارق الأرض ومغاربها أنفسهم بين حروف كلماته، ويتذوقونه فى ذاته، مستمتعين بجماله المبهر، حتى إن كانوا من غير المتعاطفين مع شوق قوم «درويش» إلى الحرية والكفاية والحياة الطبيعية للآدميين.

لو أن «درويش» أمعن النظر مليّاً فيما يدور عنه فى عقل ومخيلة أعدائه، والحق ما يشهد به الأعداء، ما اهتزت شعرة واحدة فى رأسه لمن أشعلوا فى رأسه الظنون عن شاعريته. فها هو سان سوميخ، أستاذ الأدب العربى بجامعة تل أبيب، يراه واحداً من أكبر شعراء العربية ويتساوى لديه فى المكانة مع الناقد والمفكر الكبير الراحل إدوارد سعيد، ويقول: «كانت بدايات درويش ضمن حركة الكلاسيكية الجديدة فى الشعر، لكن مع مرور الوقت تفجرت لغته الشعرية الثرية وخلط بين ما هو سياسى وما هو شخصى، فكتب عن الحب والعائلة وخيبة الأمل من دون أن ينسى الإطار العام الذى يحكم كل هذا». وها هو الأديب الإسرائيلى أ. ب. يهوشواع يقول عن «درويش» فى معرض مقال رثاء باهت: «كان شاعراً كبيراً، ومن يقرأ شعره حتى لو كان مترجماً عن لغته الأصلية يتأثر بصورة عميقة من ثراء بلاغته والحرية الشعرية التى أجازها لنفسه».

ولم يُقدَّر لـ«درويش» أن يقرأ ما كتبته عنه كبريات الصحف الأجنبية؛ فها هى «التليجراف» تصفه بـ«شاعر المقاومة» و«الإندبندنت» تعتبره «الأوديسا الفلسطينية» و«نيويورك تايمز» تقول إن «كلماته المؤلمة عن المنفى والشتات وأبياته العذبة عن الإنسانية جعلته رجل الأدب الفلسطينى، وواحداً من أكبر شعراء العرب المعاصرين».
هذا يدل على أن العالم كله لم يرَ «درويش» إلا ملتصقاً بقضيته العادلة، التى لم يتهمها أحد بأنها نالت من شاعريته وحجزته عن الانطلاق إلى العالمية سوى حفنة مغرضة من النقاد العرب، حاولت أن تهبط بقيمة «درويش» لتعلى من قامة شعراء أقصر، وسعت بخبث ظاهر إلى تجريد الفلسطينيين من أحد أسلحتهم القوية فى معركة المصير، وهو شعر «درويش» ورفيقيه سميح القاسم وتوفيق زياد.

مات «درويش» قبل أن يفيض بين جوانحه غم أسود مما يجرى بين «فتح» و«حماس» فيكبر داخله القنوط وتصغر القضية ويتسع طريق مَن وسوسوا له بأن يشرع فى كتابة «نسيان الذاكرة» ويسقط من حساباته «ذاكرة للنسيان» وأن يهش عن باله أى ضنى وهو يرى الحصان وحيداً ويتيماً، والظل العالى ينحسر حتى يموت تحت أحذية الغزاة الثقيلة.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ذكرى «محمود درويش» 22 ذكرى «محمود درويش» 22



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 13:06 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 12:58 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

يتناغم الجميع معك في بداية هذا الشهر

GMT 16:44 2019 الأربعاء ,01 أيار / مايو

المكاسب المالية تسيطر عليك خلال هذا الشهر

GMT 00:44 2017 الجمعة ,29 كانون الأول / ديسمبر

دار "دولتشي أند غابانا" تطرح مجموعة جديدة لعام 2018

GMT 18:24 2019 الإثنين ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

مصطفى حمدي يضيف كوتة جديدة لمصر في الرماية في أولمبياد طوكيو

GMT 03:44 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على قواعد الإتيكيت لكافة أنواع الرحلات

GMT 07:36 2021 الثلاثاء ,14 كانون الأول / ديسمبر

أسس في ديكورات مجالس الرجال الفخمة

GMT 11:57 2023 الأربعاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

برومو ”الاسكندراني” يتخطى الـ 5 ملايين بعد ساعات من عرضه

GMT 16:44 2018 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

تسريب صور مخلة للآداب للممثلة السورية لونا الحسن

GMT 15:14 2020 الأحد ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

شباب الأردن يتجاوز الفيصلي بثلاثية في دوري المحترفين

GMT 21:12 2020 السبت ,26 كانون الأول / ديسمبر

العناية ببشرة العروس من خلال هذه الخطوات

GMT 13:53 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon