في مصر كان محمد حسنين هيكل 22

في مصر كان محمد حسنين هيكل 2-2

في مصر كان محمد حسنين هيكل 2-2

 لبنان اليوم -

في مصر كان محمد حسنين هيكل 22

عمرو الشوبكي

علاقتى بالأستاذ هيكل كانت علاقة إنسانية وفكرية لم ترتبط فى أى مرحلة بعلاقة عمل من أى نوع، فلم يتقاطع مسارى المهنى مع الأستاذ فى أى مرحلة فالرجل ترك الأهرام وأنا طالب فى ابتدائى والتحقت بمركز الأهرام للدراسات السياسية فى وقت كان هيكل من المغضوب عليهم من قبل قادة المؤسسات الصحفية الحكومية، ومع ذلك أزعم أنى كنت واحدا من القريبين من الرجل وخاصة فى السنوات الخمس الأخيرة التى أعقبت ثورة يناير.

قابلت الأستاذ هيكل أول مرة فى إحدى ندوات كلية الاقتصاد والعلوم السياسية فى منتصف الثمانينيات عقب تخرجى مباشرة من الكلية، وكنا فى ذلك الوقت سعيدين بالتحول الذى أحدثه أستاذنا الدكتور على الدين هلال فى مسار الكلية بتأسيسه مركز البحوث السياسية الذى أعطى لنا فرصة لنقاش كثير من الأساتذة خارج إطار المحاضرة وبعيدا عن الخوف من أن «نزعل» الأستاذ بسؤال سياسى خارج المحاضرة.... فنسقط فى الامتحان.

وكان هيكل حاضرا أكثر من مرة هذه الندوات، وكرمته كلية الاقتصاد والعلوم السياسية مرة فى احتفال كبير، وتعلمت من كتبه أن أحب علم السياسة وأن أربط خشونة البحث العلمى بنعومة الصحافة، وحفظت تقريبا كثيرا من كتبه مثل: لمصر لا لعبدالناصر، قصة السويس آخر حروب العمالقة، حكاية العرب والسوفيت، حديث المبادرة، السلام المستحيل والديمقراطية الغائبة، حرب الثلاثين عاما، بين الصحافة والسياسة، زيارة جديدة للتاريخ، مدافع آية الله، خريف الغضب، وغيرها.

وظلت صلتى بالأستاذ عبارة عن حوارات طويلة نسبيا فى المرات التى زارنا فيها فى الكلية وكنت سعيدا أنه فى المرة التالية يذكر اسمى ويشيد بما قلت ويشجعنى على السفر خارج مصر واستكمال الدراسة.

وسافرت فعلا فى نهاية الثمانينيات إلى فرنسا للدراسة وانقطعت الصلة إلا متابعة ما يقول الأستاذ وما يكتب وأذكر أنى عدت فى أكثر من أجازة طوال عقد التسعينيات، وتواصلت مع الأستاذ وألتقيته ثلاث مرات على فترات متباعدة فى برقاش على غذاء أنيق فى شرفه المنزل أمام حديقة بيته الريفى الشهير، أحداها كانت بصبحه عبد الله السناوى (وكان معنا شخص ثالث لم نتذكره نحن الاثنين) ولقاءين آخرين كنت بمفردى وأذكر أنى أجريت حوارات طويلة معه وكانت فكرة تأسيس مركز أبحاث وصحيفة عميقة حاضرة فى جانب كبير من نقاشنا.

وفى أحد هذه اللقاءات اصطحبنى بعربه الجلف فى حديقة المنزل وأشار إلى أحد الأشجار الشهيرة وقال لى إن عبدالناصر كان يحب أن يجلس تحتها وأن هناك اجتماعات كثيرة جرت تحت ظلالها.

منزل برقاش ومكتبة الأستاذ العريقة البريطانية الشكل والطابع ضمت 25 ألف كتاب وكان بها وثائق نادرة ولا أعرف بالضبط ماذا تبقى منها بعد أن قام أنصار الإخوان بحرقها عقب 30 يونيو بل إن النسخة الأصلية من كتاب وصف مصر الشهير والموقع من نابليون نفسه وجد ملقى فى أحد مصارف القرية، ودليل على همجية وجهل من قاموا بهذا العمل المشين.

وظلت لقاءاتى مع الأستاذ يفصلها سنوات طوال مدة دراستى فى فرنسا حتى عدت فى عام 2000 وبدأت أتواصل معه على فترات يفصلها أشهر وتخللها لقاء آخر فى برقاش ولقاءات فى مكتبه الشهير على كورنيش النيل.

وأذكر أنه قبل صدور جريدة الشروق وكنت واحدا من أعضاء مجلسها التحريرى الذى أسس الجريدة، وذهبت فى 2008 إلى مؤتمر فى جامعة وست منيستر البريطانية وكان الأستاذ فى لندن ينزل فى فندقه الشهير كلاريدج (Claridge Hotel) فى قلب لندن والتقيته مرتين مرة بصحبة إبراهيم المعلم وعمرو حمزواى للحديث عن الصحيفة الجديدة، والثانى كان لقاء منفردا على إفطار أعتقد أنى نجحت فى تحريكه من الثامنة صباحا إلى الثامنة والنصف، ومازالت أحتفظ فى مكتبتى بالصورة الوحيدة التى أصررت على أخذها مع الأستاذ داخل جنبات الفندق البريطانى العريق.

وقامت ثورة يناير ومنذ ذلك التاريخ يمكن أن أقول إن علاقتى بالأستاذ قد تعمقت على المستوى الإنسانى أكثر، وقد أفصل فى كتابات قادمة عن رؤى للرجل وتقديراته لجوانب متعددة مما نعيشه الآن.

وعلى أن أقول إن الأستاذ رغم تركيبته المحافظة وكبر سنه ومقامه إلا أنه فى كثير من نقاشنا كان مؤيدا لثورة يناير ربما أكثر منى وكنت أقول له: «يا أستاذ حضرتك إزاى تبقى ثورى بالشكل ده حتى هذا ضد ثقافتك الإصلاحية والمحافظة» كان يشعر أن يناير أعادت للبلد الحياة وأعطت أملا كبيرا فى التغيير والتقدم وكان حزينا لما وصل إليه حال البلاد والعباد وقال لى أكثر من مرة اكتب كتابا أو بحثا عن كيف تحولت طموحات شعب فى الحرية والكرامة والتقدم إلى مجرد السعى من أجل البقاء.

رفض هيكل حكم الإخوان وتجربتهم بالكامل، وجاءت ثورة 30 يونيو وراهن الرجل على مسارها، وأذكر أنى جلست أمامه مع الصديق د. زياد بهاء الدين عشية تشكيل حكومة د. حازم الببلاوى وكان يدفعنى لقبول الوزارة التى لم أقبلها فى النهاية رغم ضغوطات الكثيرين وأذكر أنه فى هذا اللقاء المسائى «الساهر» (أمر نادر الحدوث أن يعطى الأستاذ موعدا بعد 8 مساء وكانت الظروف الدقيقة التى تمر بها البلاد السبب وراء قيامه بذلك) تكلمنا فى اللحظة الصعبة وضرورة دعم مسار 30 يونيو، وسألنى عن رأيى فى د.مصطفى حجازى الذى اتصل به قبل وصولنا بقليل، وقلت له كلاما شديد الإيجابية يستحقه الرجل.

ومر العام الانتقالى وأصبح مرشح الضرورة رئيسا للبلاد، ولم يعجبه فى البداية ابتعادى المبكر عن الهيئة الاستشارية لحملة المشير السيسى وقبل بدء الانتخابات، وكلمنى كثيرا عن المثقفين الذين يتعاملون «بالشوكة والسكينة» مع الواقع ويريدون تفصيله على مقاسهم، وكنت أرد عليه مازحا «يا أستاذ انت ناسى أنى نائب سابق عن إمبابة وتعاملت مع الجماهير».

كان هيكل متفائلا بالحكم الجديد وكان لديه أمل ورغبة فى أن يصلح ما خرب على مدار 40 عاما، ولكنه سرعان ما فتر التأييد حتى أصبحت نظرته فى آخر لقاءاتنا أقرب إلى نقد الأوضاع والتشاؤم من المستقبل.

أذكر أنى قلت له مرة ما فائدة أن تقول كل هذا الكلام النقدى والإصلاحى، وهم يقومون بعكس ما تقوله فرد على مبتسما، ليس العكس، وهل تعتقد أنه إذا لم يكن هناك من يقول وجهة نظر مخالفة هل كنت ستكتب «سيادتك» أنت وغيرك هذا الكلام النقدى، وكان المقصود من تعليقه هذا (وكما قال لى صراحة) أن هناك أطرافا كثيرة محيطة بالحكم تقول للرئاسة اعتقل الجميع وكفى تدليلا للمثقفين والنشطاء والسياسيين وأن البلد فى حالة حرب على الإرهاب ويجب الضرب بيد من حديد على كل من ينتقد الآن فى مصر.

لم يكن الأستاذ متفائلا بالأداء الحالى وكان مصدوما من حال الإعلام، وقال هذا الكلام ربما للرئيس، بأنه لا يمكن أن تدار البلد بهذه الطريقة وتوقع أزمة اقتصادية وسياسية كبيرة.

رحلة الأستاذ فى عالم الصحافة والسياسية حافلة بمحطات كبرى أهم ما فيها بالنسبة لى ولكثيرين أننا كنا أمام شخص سيذكر له التاريخ أنه بنى اسمه الكبير من خلال موهبته وعمله ومهنيته، فى وقت تراجعت فيه هذه القيم خاصة فى بلد مثل مصر، كما أنه مثل بالنسبة لى (ولكثيرين أيضا) «السلطة المعنوية» الحرة أو المرجعية التى تختار أن تعود إليها بمحض إرادتك فهو ليس رئيسك فى العمل ولا مديرك وربما كثير مما تقوم به لا يتقاطع معه وهو رجل لا يحب أن ينافقه أحد وهو شخصية تتسم بثراء إنسانى نادر وثقة كبيرة فى النفس انعكست على علاقته بكل من اقترب منه فهو ليس رجل الصراعات الرخيصة وإذا دخل فى صراع يكون على مواقف وحسابات كبرى وفى العلن ويحكمه سلوك الفرسان الكبار.

سأفتقد ما تبقى من عمرى من اخترت بمحض إرادتى أن يكون «المرجع المعنوي» والذى اعتدت أن أعود إليه فى معظم النقاشات التى تتعلق بالهموم والطموحات والإخفاقات الكبرى.

رحم الله الأستاذ هيكل قيمة كبيرة وعلامة مضيئة فى تاريخنا العربى والإنسانى المعاصر.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

في مصر كان محمد حسنين هيكل 22 في مصر كان محمد حسنين هيكل 22



GMT 06:37 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

لا تنسوا غزة !

GMT 06:36 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

تنظيم الفوضى

GMT 06:34 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

أقمْ عليهم مأتماً وعويلاً

GMT 06:33 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

على هامش عمليّة كراكاس...

GMT 06:31 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

فنزويلا... عام ترمب بدأ مُزَلزِلا

GMT 06:30 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

الأزمة اليمنية

GMT 06:27 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

فنزويلا ــ الكاريبي... واستراتيجية البحار السبعة

GMT 06:26 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

الشرق الأوسط: عام التساؤلات بين الصراعات والتسويات

نادين نسيب نجيم تتألق بإطلالات لافتة في عام 2025

بيروت ـ لبنان اليوم

GMT 09:38 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

عدوان إسرائيلي يستهدف المدينة الصناعية جنوب لبنان
 لبنان اليوم - عدوان إسرائيلي يستهدف المدينة الصناعية جنوب لبنان

GMT 15:12 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

لا رغبة لك في مضايقة الآخرين

GMT 12:14 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالإرهاق وكل ما تفعله سيكون تحت الأضواء

GMT 20:40 2021 الإثنين ,08 شباط / فبراير

تحقق قفزة نوعية جديدة في حياتك

GMT 10:18 2020 الأربعاء ,05 شباط / فبراير

يولد بعض الجدل مع أحد الزملاء أو أحد المقربين

GMT 22:17 2022 الأحد ,03 تموز / يوليو

مخاوف من نشر الانترنت الفضائي لسبيس إكس

GMT 04:08 2020 الخميس ,17 كانون الأول / ديسمبر

تساؤلات حول موعد انحسار العاصفة الجوية في لبنان

GMT 06:43 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

طباخ الملكة يكذب ما عرضته "نتلفليكس" بشأن الأميرة ديانا

GMT 15:39 2022 الخميس ,20 كانون الثاني / يناير

طريقة إزالة آثار الحبوب السوداء من الجسم

GMT 20:18 2020 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

محتجون يرشقون فرع مصرف لبنان بالحجارة في صيدا

GMT 03:20 2018 الأربعاء ,26 كانون الأول / ديسمبر

شركة "الجميح" تدشن سيارة شيفروليه تاهو RST 2019

GMT 19:02 2020 السبت ,26 كانون الأول / ديسمبر

نزهة في حديقة دار "شوميه"
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon