بقلم : عمرو الشوبكي
نستعيد تعبير المفكر الجزائرى الكبير الراحل مالك بن نبى حين كتب «القابلية للاستعمار»، وتحدث عن أن ظاهرة الاستعمار لها شقان: أحدهما أطماع المستعمرين وقوتهم وبطشهم، والثانى قابلية المُستعمَرين (بفتح الميم) وضعفهم ووهنهم.. وظل هذا المفهوم رائجا فى أوساط الفكر السياسى وحمّل الدول الضعيفة جانبا من مسؤولية ما جرى لها من استعمار، وليس فقط من احتلونا ونهبوا خياراتنا، إنما أيضا لمن جعل بلادنا مستباحة من قبل الاستعمار.
والحقيقة أن هذا المفهوم يمكن سحبه على الحديث الدائر عن الاختراق الأجنبى، وخاصة الأمريكى، لكثير من المجتمعات العربية والإسلامية، وبشكل خاص ما يجرى فى إيران، حيث تحدث المرشد وقادة الحرس الثورى وفيلق القدس وقادة السلطة القضائية والأمنية ورموز القوى المحافظة عن المؤامرة الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وكيف أنهما يعملان على اختراق الأمن القومى وإسقاط النظام القائم، فى حين غرّد الرئيس الإصلاحى بازشكيان ومعه عدد من رموز التيار الإصلاحى وأكدوا أن المظاهرات بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية وسوء أدائنا فى ملفات عديدة، وإن المسؤولية تقع أولا علينا قبل الغرب.
إن السؤال المطروح: لماذا تنجح الاختراقات الأجنبية فى بعض الدول وتفشل أخرى؟، ولماذا فشل كل خصوم وأعداء إسرائيل فى اختراق المظاهرات التى استمرت لأشهر من أجل إسقاط نتنياهو؟، ولماذا العكس هو الذى يحدث؟
الإجابة أن هناك مجتمعات لديها قابلية للاختراق نتيجة غياب دولة القانون والعدالة وتفاقم الأزمات الاقتصادية وانتشار الفساد، وإن إسرائيل دولة قانون ديمقراطية لليهود، مما يجعل الخلافات والصراعات السياسية على قسوتها تدار فى إطار قواعد دستورية وقانونية يحترمها الجميع ولا تضع أى مؤسسة «ريشة» على رأسها لأنها دينية أو عسكرية أو سياسية أو مالية، فالجميع واحد تحت طائلة القانون، فى حين أن النموذج الإيرانى أعطى حصانة خاصة للمرشد والمؤسسة الدينية وحوّل الخلاف السياسى الطبيعى بين المحافظين والإصلاحيين إلى نزاع على شرعية من يحكم نتيجة القيود التى وضعها على عملية تداول السلطة منذ انتخابات ٢٠٠٩.
ورغم هيمنة السلطة الدينية، ممثلة فى مرشد الجمهورية، على المؤسسات السياسية والمدنية، ومع ذلك شهدت البلاد تنافسا وصراعا سياسيا وانتخابيا سلميا بين المحافظين والإصلاحيين، ولو تركت انتخابات ٢٠٠٩ لتؤسس قواعد قانونية تضمن التنافس وتداول السلطة بينهما، بدلا من اعتقال المرشح الإصلاحى الخاسر مير حسين موسوى ووضعه تحت الإقامة الجبرية، لكانت إيران الآن تشهد احتجاجات مثل التى تجرى فى كثير من دول العالم، ومنها دول شرق أوسطية كتركيا (وغيرها)، التى أعيد انتخاب رئيسها أردوجان بعد جولة إعادة وبنسبة ٥٢٪، وبالتالى لن تمثل الاحتجاجات عامل خطر يهدد النظام ويعمل على إسقاطه بالعنف أو الثورة، ولما استطاع لا الغرب ولا الشرق أن يخترق ويتآمر على إيران وعبرت هذه الاحتجاجات مثل غيرها فى العالم.