مخاطر «داعش» المتحور

مخاطر «داعش» المتحور

مخاطر «داعش» المتحور

 لبنان اليوم -

مخاطر «داعش» المتحور

بقلم:عمرو الشوبكي

من يطلع على مخطوطة «داعش» الشهيرة «إدارة التوحش» يكتشف أن ما يوصف مجازاً بالبناء العقائدي للتنظيم كان أقرب «لمشروع انتقامي» لا يتقيد ببناء عقائدي محكم، مثلما جرى مع تنظيمات التطرف العنيف الأخرى كـ«الجهاد» و«الجماعة الإسلامية»، حتى صيغتهما العابرة للحدود، المتمثلة في «تنظيم القاعدة»، التي اتسمت أيضاً ببنية عقائدية صلبة وتفسيرات متشددة لبعض النصوص الدينية لتبرير العنف والإرهاب.

وربما تكون حالة تنظيم «داعش» مختلفة من كونه وضع بنية عقائدية مبسطة وسطحية تتكلم في الانتقام أكثر من التفسيرات الفقهية المتشددة، وهذا ما جعل مخاطر خلاياه قائمة في أكثر من مكان، وخاصة سوريا، رغم تفكك الجانب الأكبر من بنيته التنظيمية.

والحقيقة أنَّ هذه البنية العقائدية المبسطة والسطحية جعلت الانخراط في فكر التنظيم متاحاً لكل «من هبَّ ودب» ولا يتم عبر رحلة طويلة من الإعداد العقائدي، كما جرى مع قادة «القاعدة» والتنظيمات الجهادية الأخرى، إنَّما يكفي أن يكون هناك منتقمون لأسباب دينية أو مذهبية أو سياسية حتى يكون العنصر «الداعشي» على استعداد لممارسة القتل والإرهاب ضد أميركيين، كما جرى في تدمر، واستلزم تدخلاً عسكرياً أميركياً، أو تجاه سوريين، كما جرى في مسجد على بن أبي طالب في حمص، وبدا أنه لا يوجد فارق يذكر بين من يسمون أنفسهم «تنظيم الدولة الإسلامية» أو «أنصار السنة» من حيث عدم وجود أي كوابح أمام قتل المدنيين أو العسكريين في كل مكان.

ما زال كثيرون يتذكرون جريمة استهداف مسجد الروضة في سيناء المصرية، التي خلفت واحداً من أكبر أعداد الضحايا في تاريخ العمليات الإرهابية التي استهدفت بيوت الله، حيث قتل 305 من المصلين الأبرياء في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، ومن البديهي القول إنه «مسجد سني».

صحيح أن «داعش الرسمي» لم يعلن تبنيه هذه العملية، لكن خلاياه التي كانت تعمل في هذه المنطقة، وتبنت صيغة الانتقام والترويع وقتل الأطفال والأبرياء كانت متورطة في هذه الجريمة النكراء.

اللافت في إدارة التوحش أو «مانفستو داعش» أنه بدأ كلامه بفصل تمهيدي حمل عنوان «النظام الذي يدير العالم منذ حقبة سايكس بيكو»، وهذا على خلاف مقدمات كتب جماعات التطرف الجهادية، التي انطلقت بالكامل من جوانب فقهية، خاصة كتيَّب ميثاق العمل الإسلامي، وأيضاً بدرجة أقل، حتمية المواجهة والفريضة الغائبة.

ولعل المعضلة الحقيقية في خلايا «داعش» الجديدة تكمن في أن نظرتها الانتقامية لم تعد النظمَ القائمة فقط، كما جرى في عهد النظام السوري السابق أو الحكم الحالي في العراق، إنما شملت أيضاً تنظيمات ومذاهب أخرى أو بسبب حسابات إقليمية ومحلية جعلت هذه الخلايا «تحت الطلب» في أي وقت.

إن ضعف الدولة، أي دولة، أو وجود احتقان سياسي أو مذهبي، هي عوامل تكفي لكي تعمل خلايا «داعش» الجديدة بسهولة وتمارس إرهاباً خطيراً، لأن من يقف خلفه هي بقايا تنظيم ومساحة سائلة من الأفكار الانتقامية التي تبرر أي عنف وأي إرهاب، بل فتحَ «إدارة التوحش» الباب أمام ما سمّاه «الاستفادة من خبرة حركات غير إسلامية في إدارة التوحش، استخدمت العنف على نطاق واسع». وأشار إلى حركة جون قرانق بجنوب السودان، وحركات اليساريين في أميركا الوسطى والجنوبية، ووصفتهم المخطوطة بأنهم «أبدعوا في بعض النواحي العملية في إدارة مناطق التوحش هناك»

خطورة «داعش» الجديد ليست في قدرته فقط على أن يتحرك في المناطق الرخوة والحدودية من الساحل والصحراء في أفريقيا إلى سيناء في فترة سابقة، وانتهاء بسوريا حالياً، إنما أيضاً في امتلاكه هذه السيولة العقائدية التي تبيح له انتهاك كل الحرمات وسفك الدماء، دون أي رادع.

إن التنظيمات الجهادية القديمة التي مارست بالقطع إرهاباً، واستهدفت رجالات السلطة والأمن، مخالفين في الفكر والعقيدة، كان من شبه المستحيل عليها أن تستهدف مصلين في مسجد، حتى بمعايير الفكر المتشدد التي تبنتها، إذ كانت هناك بعض الضوابط أو سقف للعنف والإرهاب، وهو غير متحقق في «داعش» الذي أصبح خلايا وتنظيماً ضعيفاً لا يتمتع ببناء عقائدي متماسك، ولكنه على استعداد أن يستهدف مسجداً أو كنيسة أو حسينية ويقتل أطفالاً ونساء دون أي رادع عقائدي أو تنظيمي.

الاستثمار في العجز والإخفاق السياسي والثغرات الأمنية والهشاشة المجتمعية، وأي احتقان بين مكونات الشعب المختلفة، كل هذا هو «غذاء داعش». ولذا علينا ألا نندهش إن كانت كل تنظيمات التطرف العنيف تقريباً مارست مراجعات فقهية ومبادرات لوقف العنف، إلا «داعش»، لأنه ببساطة ليس عنده بناء عقائدي صلب لكي يراجعه، وذلك مصدر خطورته.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مخاطر «داعش» المتحور مخاطر «داعش» المتحور



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 21:43 2021 الجمعة ,13 آب / أغسطس

الأهلي المصري يعلن شفاء بانون من كورونا

GMT 21:10 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

عودة صيحات التصميم الكلاسيكي في المنازل لعام 2026

GMT 17:18 2023 الإثنين ,10 إبريل / نيسان

أزياء مبهجة تألقي بها في شم النسيم

GMT 17:35 2022 الأربعاء ,06 تموز / يوليو

أفكار متنوعة لتغليف الهدايا

GMT 10:13 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

سقوط مسيّرة إسرائيلية في رب ثلاثين

GMT 07:19 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

عبوات متفجرة تستهدف بلدة يارون جنوبي لبنان

GMT 16:27 2025 الثلاثاء ,16 كانون الأول / ديسمبر

صحة غزة تعلن استشهاد رضيع بسبب البرد الشديد

GMT 04:41 2021 الإثنين ,02 آب / أغسطس

سلمى رشيد تتألق بعباءة حرير في آخر ظهور لها

GMT 09:52 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

10 أخطاء شائعة في تصميم المنازل تفسد جمال الديكور

GMT 05:14 2022 الأحد ,03 تموز / يوليو

تسريحات الشعر المناسبة للصيف

GMT 10:39 2020 السبت ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

دروس في الديمقراطية من لدنا

GMT 14:08 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

قد تمهل لكنك لن تهمل

GMT 15:14 2014 السبت ,06 أيلول / سبتمبر

البغدادي .. وبن لادن؟

GMT 08:59 2022 الإثنين ,16 أيار / مايو

هيفاء وهبي بإطلالات كلاسيكية أنيقة

GMT 06:55 2021 الخميس ,21 كانون الثاني / يناير

التغيير الوزاري!
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon