سكة الندامة الفواعل من غير الدول

سكة الندامة: الفواعل من غير الدول!

سكة الندامة: الفواعل من غير الدول!

 لبنان اليوم -

سكة الندامة الفواعل من غير الدول

بقلم: عبد المنعم سعيد

في الطرق التي يمشيها الإنسان، والدول أيضاً، ما بعد «سكة السلامة» فإن الفشل يعني الولوج إلى سكة أخرى ترى فيها الشعوب أن الدولة الوطنية التي تعيش فيها، وهي الأصل في سلامة السكة، لا تكفي للحصول على الأهداف الوطنية أو القومية أحياناً. أو أن ذلك لا يسمح بتحقيق أحلام تاريخية يحدث فيها الخلاص الكامل من الذنوب والمعاصي. العالم عرف تاريخياً «الفواعل Actors» من غير الدول في شكل الكنائس العالمية التي يتعدى نفوذها حدود الدول. وكذلك فعلت الشركات الدولية المتعددة الجنسية، مثل شركة الهند الشرقية التي كان يتعدى نفوذها الدولة الاستعمارية التي تتبعها، وأحياناً تكون رأس حربة للتمهيد لها. في العالم العربي، كانت جماعة «الإخوان المسلمين» التي تعدت في نفوذها السياسي، والاقتصادي والعسكري الحدود المصرية عندما أنشأت «التنظيم الدولي للإخوان المسلمين»، الذي استغل مواسم الحج لتجنيد جماعات في البلدان الإسلامية جعلت الولاء لها سابقاً للدولة الإسلامية الوطنية. التنظيم كانت له بنوكه في البحر الكاريبي، وأدواته السياسية والإعلامية، وحاضنته التي يربي فيها من أصبحوا بعد ذلك أكثر راديكالية وعنفاً وإيماناً بأن السلاح للمقاومة هو الأكثر فاعلية من الجيوش القومية. «القضية الفلسطينية» رغم سخونتها باتت مصدراً لشرعية عبور حدود الدولة، وحتى القتال باسمها أو الدفاع عنها. حرب غزة الخامسة كانت القمة التي تجمعت فيها تنظيمات ذات طبيعة دينية مثل «حزب الله» في لبنان، و«حماس» في فلسطين، و«الحوثيين» في اليمن، و«الحشد الشعبي» في العراق، و«القاعدة» و«داعش» في سوريا والعراق. بالنسبة إلى هؤلاء، فإن الدولة ذات السيادة على إقليمها باتت تراثاً تاريخياً لا يكفي لتحقيق حلم الخلافة عندما تآلفت تنظيمات متطرفة لكي تقيم دولة مصطنعة على الحدود العراقية - السورية تحت اسم «دولة الخلافة الإسلامية».

الفواعل الدولية العنيفة والراديكالية كانت أساساً لتهديد الدولة الوطنية العربية حينما فرضت بقوة السلاح واقعاً يتجاوز فكرة «السيادة» التي تعطي للدولة الحق في فرض دستورها وقوانينها على إقليمها ومن فوقه من شعوب. «حزب الله» اللبناني أطاح تاريخاً طويلاً للدولة اللبنانية نحتت فيه تاريخاً «وطنياً» يعتز بالتاريخ اللبناني الفينيقي والخصائص الخاصة بالدولة اللبنانية المعاصرة القائمة على الانفتاح السياسي والثقافي والاقتصادي. ما فعله الحزب أنه فرض نفسه لمقاومة إسرائيل بحيث يخوض حروبها ويتجاوز الدفاع عن لبنان في حروب تعددت أجازت من ناحية «الخطأ في الحسابات» كما أقرّ الراحل حسن نصر الله رئيس الحزب؛ وانتهت بأن يكون هو «الربع المعطل» في السياسة اللبنانية فيصيب الدولة بالشلل والضعف الاقتصادي. «تنظيم حماس» أطاح مشروع الدولة الفلسطينية حينما دمَّر اتفاقية أوسلو التي كانت أول الطريق الفلسطيني للدولة من خلال إقامة أول سلطة وطنية فلسطينية على الأرض الفلسطينية في التاريخ شاملة الضفة الغربية وغزة. بعد القيام بعدد من العمليات الانتحارية لإفساد الاتفاق، فإن «حماس» حصلت من إسرائيل على دعم اقتصادي ومالي لكي تتخلص من السلطة الشرعية الفلسطينية وتمهد من وجهة نظرها لإقامة دولة فلسطينية صغيرة على أرض غزة.

في الإقليم العربي الشرق أوسطي، فإن الفواعل من غير الدول امتطت القضية الفلسطينية لكي تدمر الدولة التي تعيش فيها من خلال احتكارها أول القرارات التي تحتكرها السلطة السياسية للدولة، وهي قرارات الحرب والسلام. منذ مطلع القرن أصبحت الحروب الإقليمية ناجمة عن هذه الفواعل بعد ابتزازها للسلطات القائمة، وفرض الخوف عليها من الحرب الأهلية وانقسام الدولة إلى دول. جماعة «أنصار الإسلام» الحوثية لم تنقلب فقط على «الربيع اليمني» وإنما أكثر من ذلك فرضت على اليمن التقسيم لأكثر من دولة بعدما أدخلت نفسها إلى حرب دولية من خلال اعتراض التجارة الدولية في البحر الأحمر. وفي العراق وبعد حروب عدة قامت بها الدولة عندما شنت الحرب على إيران لثماني سنوات، ثم حرب صدام حسين لاحتلال الكويت ثم حرب تحريرها، ثم الحرب التي نجمت عن الغزو الأميركي للعراق، فإن حزمة من التنظيمات المسلحة، وفي مقدمتها قوات «الحشد الشعبي»، عبرت الكثير من الحدود بالتعاون مع إيران وإطلاق الصواريخ على إسرائيل من دون اعتبار للمصالح العراقية الخاصة بلمّ شمل الدولة الوطنية.

لحسن الحظ؛ أن هذا المشهد الشائع بالتفكك وتدمير الدولة الوطنية في المشرق العربي قابلته قدرات السير في «سكة السلامة» من قِبل الدول الوطنية في دول الخليج العربية الست؛ ونجحت مصر 30 يونيو (حزيران) 2013 في إطاحة حكم «الإخوان المسلمين»، وفي 2018 قضت نهائياً على الحركة الإرهابية التابعة لتنظيم «داعش» في سيناء، ونجح الأردن والمغرب في مواجهة ضغوط الفواعل من غير الدولة، وحدث كل ذلك بالتوازي مع مشروعات قومية للحداثة والتقدم للدولة الوطنية.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سكة الندامة الفواعل من غير الدول سكة الندامة الفواعل من غير الدول



GMT 07:42 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

مفكرة السنة الفارطة... عام الختام البعثي

GMT 07:40 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

النقد الاستعماري ومجتمعات الانقسام

GMT 07:39 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

إسرائيل... الاعتراف الملغوم

GMT 07:36 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

تأمين الجغرافيا اليمنية

GMT 07:35 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

إيران... السوق غاضبة

GMT 07:33 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

إيران... المرشد والرئيس والشارع

GMT 07:27 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

حمدي قنديل غير قابل للمصادرة!

GMT 07:14 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

ملف الذكاء الملغوم

نادين نسيب نجيم تتألق بإطلالات لافتة في عام 2025

بيروت ـ لبنان اليوم

GMT 23:58 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

زيلينسكي يؤكد أن اتفاق السلام مع روسيا بات جاهزا بنسبة 90%
 لبنان اليوم - زيلينسكي يؤكد أن اتفاق السلام مع روسيا بات جاهزا بنسبة 90%

GMT 16:44 2021 الإثنين ,15 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 13:20 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

ما كنت تتوقعه من الشريك لن يتحقق مئة في المئة

GMT 21:45 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 13:53 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 13:10 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

الضحك والمرح هما من أهم وسائل العيش لحياة أطول

GMT 14:02 2020 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:36 2025 الثلاثاء ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

إطلالات النجمات تخطف الأضواء في حفل Fashion Trust Arabia 2025

GMT 12:09 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

يسود الوفاق أجواء الأسبوع الاول من الشهر

GMT 19:11 2022 الثلاثاء ,05 إبريل / نيسان

إطلالات رمضانية مُستوحاة من هند صبري

GMT 22:14 2015 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

معهد المخطوطات العربية يصدر كتاب "متشابه القرآن"

GMT 13:59 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 21:57 2020 الأربعاء ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

نبيل معلول يعتذر للشعب السوري ويحسم مستقبله

GMT 10:05 2013 الأربعاء ,02 كانون الثاني / يناير

"بلاك نايت RX-8" النسخة الوحيدة في العالم

GMT 17:44 2019 الجمعة ,04 كانون الثاني / يناير

الميموني يعود مجددًا للمغرب التطواني
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon