هناك ظاهرة انتشرت أخيرًا بين الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعى وعبر النت حول تاريخ مصر، أحداثًا وأشخاصًا وأصحاب قرار، وقد جمعت أعدادًا كبيرة من المسئولين حسب درجاتهم الوظيفية.. والغريب أنها هبطت إلى مستوى الحكاوى، ودخلت فى تفاصيل كثيرة، منها الحياة الخاصة لكبار المسئولين، ولا مانع أن يكون المصدر موظفًا فى الأرشيف، أو سائقًا، أو فرد حراسة، أو سكرتيرًا، أو رجل أمن.. والتاريخ له قدسية خاصة فى أحداثه وأشخاصه ومواقعه، ولكن الظاهرة الجديدة أن الجميع يبحث عن دور، ولا مانع من تدفق الأموال، وأصبح تاريخ مصر مجموعة من القصص والحكايات التى لا تستند إلى حقيقة أو وثيقة أو مسئولية..
ــــ هناك الآن مزاد كبير حول تاريخ مصر، تديره مواقع التواصل الاجتماعى، التى تتنافس: من لديه قصص أكثر، ومن كان أقرب لصاحب القرار، ومن حكاياته أكثر إثارة. وللأسف فإن مسئولين سابقين شاركوا فى هذا المزاد، إما تصفيةً للحسابات، أو ادعاء بطولة، أو الحصول على الأموال.. إن الضحية فى هذا المزاد هو تاريخ مصر، والأحداث المهمة فى مسيرتها، خاصة أن تاريخ مصر تنقصه الوثائق، وتغيب عنه الحقائق.. إن مزاد الحكايات الذى انتشر على المواقع والقنوات أصبح سباقًا بين العاملين السابقين فى عصور سبقت، رغم أنها مجرد خيالات أو أوهام .. لقد سمعت أحاديث عدد كبير من هذه الحكايا، واكتشفت أنها تقترب كثيرًا من الحياة الخاصة لرموز كانت لها مواقف وأدوار، ولكن المنافسة بين المتحدثين: من لديه أسرار أكثر.
ـــ منذ سنوات كتبت سلسلة مقالات فى الأهرام، وتساءلت: من يكتب تاريخ ثورة يوليو؟ واكتشفت أننى أمام تاريخ بلا وثائق ومذكرات، للإدانة أو الإنصاف أو تبرئة الذمة.. يومها التقيت السيد زكريا محيى الدين، والسيد حسين الشافعى، وهما من رموز ثورة يوليو. كان زكريا محيى الدين واضحًا وصريحًا حين اعترف بأن قصة التنحى وتوليه منصب الرئاسة كانت قصة سمعها من التليفزيون، وأبعد ما تكون عن الحقيقة، ولم يخبره أحد بما حدث.. ويومها سألته: متى يكتب مذكراته؟ قال: لن أكتب شيئًا.. كما كان لقائى مع السيد حسين الشافعى لقاءً عاصفًا، فقد عتبت عليه حين اتهم أنور السادات فى وطنيته، وقلت: ليست هذه أخلاق الفرسان، وأنتم رفاق سلاح.. وكذلك عدد كبير من رموز ثورة يوليو أدانوا الموقف من محمد نجيب، وحبسه فى بيت قديم فى المرج.
ــــ حين أثرت قضية وثائق يوليو، اكتشفت يومها أن الأحداث بلا وثائق، بما فى ذلك المحاكمات وجلسات مجلس قيادة الثورة.. وقد أرسل لى عدد من رموز المجلس الذين شاركوا فى الثورة آراء مهمة حول تاريخ الأحداث، وأجمعوا على أن الوثائق اختفت، بما فى ذلك جلسات المجلس التى شهدت أهم القرارات، مثل تحديد ملكية الأرض، والتأميم، وإلغاء الأحزاب السياسية، وسجن رموزها… كنت قد كتبت 16 مقالًا حول تاريخ ثورة يوليو، ووصلتنى ردود من عدد كبير، ونشرتها جميعًا فى كتاب حمل عنوان: «من يكتب تاريخ ثورة يوليو»..
ــــ على جانب آخر، كانت مذكرات عدد كبير من رموز الثورة: محمد نجيب، وخالد محيى الدين، وأنور السادات، ورغم هذا بقيت أحداث كثيرة يحيط بها الغموض، ومنها عزل محمد نجيب، ورحيل عبد الحكيم عامر، واختفاء يوسف صديق، وكمال الدين حسين، وعبد اللطيف البغدادى، وزكريا محيى الدين، وإن كان منهم من كتب مذكراته تبرئة للذات أو كشفًا للحقيقة..
ــــ مرت أحداث كبرى أحاط بها غموض شديد، من أخطرها هزيمة 1967، ورحيل عبد الناصر، ومحاكمات النكسة، وتولى أنور السادات، وتصفية مراكز القوى فى ثورة التصحيح، ثم نصر أكتوبر، حتى السلام مع إسرائيل فى كامب ديفيد.. معظم هذه الأحداث بلا وثائق، وقد فتح ذلك أبوابًا كثيرة لاجتهادات أصابت وأخطأت ، ورحل من رحل، وعاش من عاش، ولكن الحقيقة غائبة.. كان الإنجاز الوحيد ما قامت به د. هدى عبد الناصر فى إنقاذ سيرة والدها من حشود النسيان، فقد سجلت مشوار حياته، وأنصفته، وقدمت صورة منفردة عن حياته كتابة وصورة وتاريخًا...
ـــ وبقى تاريخ مصر يتعرض كل يوم لعاصفة جديدة، وأخيرًا تعرض تاريخ مصر، أشخاصًا ورموزًا وأحداثًا، لعاصفة من العاملين فى بلاط السلطة، من الموظفين والعاملين والسائقين ورجال الحراسة، يسجلون على المواقع والقنوات حكايات وقصصًا، بما فى ذلك الأسرار الشخصية، وفى كل الحالات كان التاريخ هو الضحية..
ـــــ كانت هناك كتابات حول ثورة يوليو اتسمت بالشفافية والأمانة، ومنها مقالات الأستاذ هيكل، ومذكرات خالد محيى الدين، وما كتبه البغدادى ومحمد نجيب وفتحى رضوان وأحمد حمروش وأحمد بهاء الدين والجمسى والشاذلى ومصطفى أمين وأنيس منصور.. ولكن هناك قضايا مهمة لم يقترب منها أحد، مثل إلغاء حزب الوفد وتحديد إقامة رموزه، النحاس باشا وفؤاد سراج الدين. كما أن وثائق ثورة يوليو قد اختفت تمامًا، وإن بقى شيء قليل منها عند الأستاذ هيكل.. يبقى رموز الصف الثانى فى ثورة يوليو: محمد البلتاجى، وصلاح إبراهيم سعده، ومحسن عبد الخالق وأحمد حمروش، ود. لطيفة سالم أستاذة التاريخ.. إن تصفية رموز الثورة، وإبعادهم، وقرارات التأميم والحراسة، وإلغاء الأحزاب، وانتهاك الحريات، كلها قضايا لن تسقط، وإن غابت وثائقها.. ولهذا لا بد من الحساب، حتى لو كانوا فى قبورهم.. وأنا لا أتصور بعد ذلك أن ينتهى الأمر بشهادات وحكايات صغار الموظفين فى دوائر الحكم، التى أصبحت حديث الناس: من تزوج، ومن سرق، ومن تواطأ وهرب... وبدأت تروج لسلع مغشوشة فى الأحداث والمواقف، ولم ينجُ مسئول كبير من شظايا هذه الحكايات.. وهناك سؤال يفرض نفسه: من يرد على هذه الدعاوى والافتراءات؟ وفى ظل غياب الحقيقة يبدو الحل صعبًا، إن لم يكن مستحيلًا..
ـــــ وفى كل الحالات نحن أمام مرحلة من تاريخنا غابت عنها الحقيقة، واختفت الوثائق، وظهرت حشود من المتبرعين على الشاشات تدبج الحكايات وتصنع البطولات، وقد فرضت نفسها من خلال قصص تنقصها الدقة والأمانة.. إن أزمة التاريخ فى مصر لأن أصحاب القرار يهربون من المسئولية، وكل واحد يلقى المسئولية على الآخر، رغم أن التاريخ لن يبرئ أحدًا، وسوف يحاسب الجميع حتى بأثر رجعى..
إن أزمة التاريخ فى مصر أن الساحة الثقافية قد خسرت عددًا من مؤرخيها العظام: غربال، ومحمد أنيس، والعقاد.. وفى ظل غياب الحقيقة اختفت الوثائق وظهرت الأوهام وأصبحنا وطنا يبحث عن رموزه وأحداثه وقضاياه ولم نصل إلى شئ حتى الآن..
إن التاريخ الوحيد الذى له وثائق هو تاريخ الفراعنة لأنه أحجار وتماثيل وشواهد وإن غابت الحقيقة فى كل الأحوال.
..ويبقى الشعر
أَنتزعُ زماَنكِ منْ زَمنِي
ينشَطرُ العُمرْ
تنزِفُ في صَدْري الأيام
تُصبحُ طوفـَانَـا يُغرقـُني
ينشَطرُ العالمُ من حوْلي
وجهُ الأيام ِ.. بِلاَ عينيْن
رأسُ التاريخِ .. بلا قدَمينْ
تنقسمُ الشمسُ إلى نصفينْ
يذوبُ الضوءُ وراءَ الأُفقِ
تصيرُ الشمسُ بغير شعاعْ
ينقسمُ الليلُ إلى لَونينْ
الأسْودُ يعصفُ بالألوانْ
الأبيضُ يسقُطُ حتَّى القاعْ
ويقُولُ الناسُ دُموعَ وداعْ ..
◙ ◙ ◙
أَنتزعُ زمانَكِ من زَمنِي
تتراجعُ كلُّ الأشياءْ
أذكرُ تاريخًا .. جمَّعنَا
أذكر تاريخًا .. فرَّقنَا
أذكرُ أحلاما عشْناهَا بينَ الأحزانْ
أتلوَّن بعدَكِ كالأيامْ
في الصبح ِأصيرُ بلون الليلْ
في الليَّل ِأصيرُ بلا ألوانْ
أفقدُ ذاكرَتِي رَغمَ الوهْمِ
بأن أحيا كالإنسَانْ ..
ماذَا يتبقى مِنْ قلبِي
لو وُزِّعَ يومًا في جَسدَينْ
مَاذا يتبقى مِنْ وجهٍ
ينشَطِرُ أمامِي فِي وجهَينْ
نتوحدُ شوقـًا في قلبٍ ..
يشْطـُرنا البُعدُ إلى قلَبينْ
نتجَمَّع زَمنًا في حُلمٍ
والدهرُ يُصرُّ على حُلمَينْ
نتلاقَى كالصبحِ ضياءً
يَشْطرُنا الليلُ إلى نِصفينْ
كلُ الأشياءِ تفرقـُنَا في زمنِ الخَوفْ
نهربُ أحيانـًا في دَمِنا
نهربُ في حزنٍ .. يَهزِمُنا
مازلتُ أقولْ ..
إن الأشجارَ وإن ذبـُلتْ
في زمنِ الخوفْ
سيَعودُ ربيعٌ يُوقظُها بينَ الأطلالْ
إن الأنهارَ وإن جَبُنتْ فى زَمنِ الزَّيفْ
سَيجىء زمانٌ يُحيِيهَا رغم الأغلالْ مازِلتُ أقولْ
لو ماتتْ كلُّ الأشْياءْ..
سَيجىء زمانٌ يشعرنا أنَّا أحياءْ
◙ ◙ ◙
وتثـُور قبورٌ سئمتنَا
وتَصيحُ عليهَا الأشلاءْ
ويموتُ الخوفُ ..يموتُ الزيفُ ..يموتُ القهر ُ
ويسقطُ كلُ السُفهاءْ
لنْ يبقَى سَيفُ الضُّعفاءْ
سيموتُ الخوفُ وتجْمعُنا كلُّ الأشياء
ذراتكِ تعبرُ أوطانًا
وتدورُ وتبحثُ عن قلبِي في كل مكانْ
ويعودُ رمادكِ لرمادي
يشتعلُ حَريقا يحملنَا خلفَ الأزمانْ
وأدورُ أدورُ وراءَ الأفقِ
كأني نارُ في بُركانْ
ألقِي أيامي بينَ يديكِ
همومَ الرحْلةِ والأحزان
تلتئمُ خلايا ..وخلاَيا
نتلاقَى نبضًا وحنايا
تتجمّع كلُّ الذراتْ
تصبحُ أشجارا ونخيلا
وزمانَ نقاءٍ يجمعُنا
وسَيصرخُ صمتُ الأمواتْ
تُنبتُ في الأرضِ خمائلَ ضوءٍ ..أنهارا
وحقولَ أمانٍ في الطـُرقاتْ
نتوحدُ في الكونِ ظلالا
نتوحدُ هدْيا ..وضلالا
نتوحدُ قُبحًا وجمالاً
نتوحدُ حسًا وخيالا
نتوحدُ في كل الأشياءْ
ويموتُ العالمُ كى نبقَى
نحنُ الأحياءْ
قصيدة «سيجىء زمان الأحياء» سنة 1986