أميركا على خطى الاتحاد السوفياتي

أميركا على خطى الاتحاد السوفياتي

أميركا على خطى الاتحاد السوفياتي

 لبنان اليوم -

أميركا على خطى الاتحاد السوفياتي

طلال عوكل
بقلم : طلال عوكل

مئات ملايين البشر على هذه الأرض، إن لم يكن أكثر، يتابعون الأحداث الصاخبة الجارية في الولايات المتحدة منذ بضعة أيام. المشاعر ليست مختلطة، ولا هي باردة، إزاء نظام الشر القائم في إمبراطورية الرأسمالية المتوحشة. هذه هي أميركا، التي حملت ميراث الاستعمار القديم، ونشرت أدواتها في مختلف أرجاء الأرض، تمتص دماء الجميع، وتنحاز للظلم والظالمين.أميركا الدولة الأعظم تعاني من رهاب النزول عن القمة، فيليق بها رئيس من النوع الموجود في الإدارة منذ ما يقرب من السنوات الثلاث. أقرب إلى السايكو في تصرفاته إزاء قضايا كبرى، وشعبوي بامتياز، ما ينزع عن السياسة التي يقودها، هيبة القيادة المسؤولة، ويحيلها إلى ميلودراما. لكنها مؤذية على كل حال.

كالثور الهائج يضرب في كل اتجاه من دون أي تمييز بين عدو وصديق، فالكل أعداء ما عدا إسرائيل الصهيونية. تتلبّسه أوهام جنون العظمة، وربما كان يعتقد هو الآخر، أنه مكلف من الرب. لا يتوقف عن الصراخ وإطلاق التهديد والوعيد، مرة بنشر الجيش، ومرات، باستخدام كافة الوسائل لإخماد النيران التي تجتاح أميركا هذه الأيام على خلفية جريمة مينسوتا. جريمة مينسوتا تقدم نموذجاً لعنصرية متفشية في الولايات المتحدة، تختص بها الأحياء التي يسكنها السود والفقراء من غير ذوي العيون الزرقاء والبشرة البيضاء.

بدم بارد وبتحد صارخ للقانون والمشاعر الإنسانية يقْدم شرطي أبيض على قتل الرجل الأسود جورج فلويد، بطريقة تنضح بالحقد العنصري. يُقتل الرجل ذي الستة وأربعين ربيعاً، خنقاً تحت ضغط حذاء الشرطي، الذي يعرف أن فعلته مكشوفة بالصوت والصورة أمام العالم وليس فقط أمام المجتمع الأميركي. ما كان لهذا الشرطي أن يفعل ما فعل، لولا الشعور بالحماية وبأنه سيلقى ترحيباً بل تصفيقاً لما فعله من قبل جزء كبير من المجتمع الأميركي الذي يرى في ترامب رمزاً للعظمة والقوة. على مستوى النخبة في أميركا سواء كان في العمل العام أو الحكومي أو الخاص، أو على مستوى الأعمال، والمال، والعلم، يصعب ملاحظة الأفكار والممارسات العنصرية لكنها موجودة، تغطي عليها لغة المصالح.

حين يخرج الأمر إلى الأحياء الفقيرة، التي يقطنها في الغالب مواطنون من أصول افريقية أو اميركية لاتينية، فإن العنصرية تفضح نفسها وتشير إلى طبيعة الوجه المتوحّش للرأسمالية التي لا تتورع عن مص دماء البشر. ثمة مفارقة فيما تشهده الساحة الداخلية الأميركية، إذ يعتقد البعض أنه قد يقوض شعبية ترامب وبالتالي لا يحظى بفرصة ثانية في الانتخابات التي ستجري في أيلول من هذا العام. نخشى أن يكرر ترامب تجربة نتنياهو من حيث أن هذه الأحداث تساعده على تعبئة فئات جديدة من العنصريين لصالحه في الانتخابات. وإذا كان من شبه المستحيل أن يقع انقلاب ضد الإدارة، أو أن تستقيل تحت ضغط الاحتجاجات المتواصلة، فإن المراهنة على سقوط ترامب أمر ينطوي على مغامرة.

معلوم أن الولايات المتحدة دولة قانون، ولا يمكن أن تتكرر فيها المشاهد التي اجتاحت الدول العربية خلال مرحلة ما يسمى بـ"الربيع العربي"، وبالتالي فإن أي حديث أو مراهنة أو حتى تفكير بأن ما يجري قد يؤدي إلى تغيير في السياسة أو الإدارة، ليس سوى نزعات رغبوية لا علاقة لها بالواقع.من الطبيعي في مثل هذه الأوضاع، ان تعم الفوضى، وتنتشر السرقات، واجتياح المحال التجارية، كشكل من أشكال الانتقام، أو كانعكاس لحالة الفقر والعوز، لكن ذلك ليس مبرراً لأن يعمم ترامب هذا السلوك على الاحتجاجات وكأن الأمر يتعلق بانتفاضة حرامية وليس بسلوك عنصري.

ثمة ما يلفت النظر، أيضاً، إذ ظهرت مؤشرات رفض وتحد لسياسة ترامب إزاء كيفية النظرة والتعاطي مع الجريمة والاحتجاجات التي اندلعت بسببها. ثمة، أيضاً، ما يدعو للخجل إزاء ردود أفعال الحكام والمسؤولين العرب، الذين صمتوا صمت القبور، بينما هم من أصحاب البشرة التي تتعرض للعنصرية والكراهية من قبل فئات واسعة من ذوي البشرة البيضاء وتتواطأ معها مؤسسات رسمية وشبه رسمية.من بين الكم الكبير من المعلومات والمشاهد التي رافقت الاحتجاجات راعني لافتة حملها شاب كتب عليها "لسنا عرباً حتى تقتلونا ونظل صامتين". إذا كان هذا هو الانطباع السائد وفيه قدر من الصحة، لأن الأمر لا ينطبق على كل العرب، فإن على العرب أن يقفوا أمام المرآة. أما الاستخلاص الأخير، فهو أن أميركا تتجه نحو التراجع، والأرجح، أيضاً، نحو التفكك كما حصل للاتحاد السوفياتي.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أميركا على خطى الاتحاد السوفياتي أميركا على خطى الاتحاد السوفياتي



GMT 00:53 2021 الأربعاء ,13 كانون الثاني / يناير

فخامة الرئيس يكذّب فخامة الرئيس

GMT 21:01 2020 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

بايدن والسياسة الخارجية

GMT 17:00 2020 الخميس ,17 كانون الأول / ديسمبر

أخبار عن الكويت ولبنان وسورية وفلسطين

GMT 22:48 2020 الثلاثاء ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

عن أي استقلال وجّه رئيس الجمهورية رسالته؟!!

GMT 18:47 2020 الأربعاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب عدو نفسه

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 21:43 2021 الجمعة ,13 آب / أغسطس

الأهلي المصري يعلن شفاء بانون من كورونا

GMT 21:10 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

عودة صيحات التصميم الكلاسيكي في المنازل لعام 2026

GMT 17:18 2023 الإثنين ,10 إبريل / نيسان

أزياء مبهجة تألقي بها في شم النسيم

GMT 17:35 2022 الأربعاء ,06 تموز / يوليو

أفكار متنوعة لتغليف الهدايا

GMT 10:13 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

سقوط مسيّرة إسرائيلية في رب ثلاثين

GMT 07:19 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

عبوات متفجرة تستهدف بلدة يارون جنوبي لبنان

GMT 16:27 2025 الثلاثاء ,16 كانون الأول / ديسمبر

صحة غزة تعلن استشهاد رضيع بسبب البرد الشديد

GMT 04:41 2021 الإثنين ,02 آب / أغسطس

سلمى رشيد تتألق بعباءة حرير في آخر ظهور لها

GMT 09:52 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

10 أخطاء شائعة في تصميم المنازل تفسد جمال الديكور

GMT 05:14 2022 الأحد ,03 تموز / يوليو

تسريحات الشعر المناسبة للصيف

GMT 10:39 2020 السبت ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

دروس في الديمقراطية من لدنا

GMT 14:08 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

قد تمهل لكنك لن تهمل

GMT 15:14 2014 السبت ,06 أيلول / سبتمبر

البغدادي .. وبن لادن؟

GMT 08:59 2022 الإثنين ,16 أيار / مايو

هيفاء وهبي بإطلالات كلاسيكية أنيقة

GMT 06:55 2021 الخميس ,21 كانون الثاني / يناير

التغيير الوزاري!
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon