قمة بتوقيت بغداد

قمة بتوقيت بغداد

قمة بتوقيت بغداد

 لبنان اليوم -

قمة بتوقيت بغداد

بقلم: سليمان جودة

لا بد أن الذين حضروا القمة العربية الماضية في المنامة قد أسعدهم أن يتم ضبط موعد القمة المقبلة على توقيت بغداد.

ذلك أن ذهاب أعمال القمة المرتقبة في 17 من هذا الشهر إلى عاصمة الرشيد سوف يبعث بكثير من الإشارات التي لا تُخطئها عين متابع، وسوف تكون اللحظة التي يسلِّم فيها ملك البحرين رئاسة القمة للرئيس العراقي لحظةً تستحقُّ التوقف أمامها.

من بين الإشارات أن عرض الحكومة العراقية استضافة أعمال القمة يدل على رغبة لديها في إثبات أن الحالة الأمنية في البلاد تسمح بهذا وتدعو إليه. فمنذ سنوات توحي الأخبار القادمة من هناك بغير هذا. ومنذ أن دخل العراق دوامة ما بعد صدام حسين وهو يحاول الخروج من حالة سيقت الدولة إليها عن غير رغبة منها، فإذا جاء وقت يسمح باستضافة أعمال قمة عربية مكتملة، فهذه شهادة يمكن أن يكون لها ما بعدها من خطوات البناء عليها.

إن العراق ليس بلداً عادياً، ولا هو من البلاد التي يمكن أن تمر العين من فوقها على خريطة الدنيا من دون أن تنتبه، وإذا شاء أحد أن يعرف معنى ذلك، فليرجع إلى موسوعة «قصة الحضارة» للأميركي ويل ديورانت، وعندها سوف يجد أن الشهادة في حق العراق في الموسوعة هي من أجنبي لا من عراقي أو عربي، وسوف يجد كذلك أن الحضارة العراقية القديمة استحوذت وحدها على فصول واسعة في الموسوعة.

ومن بين الإشارات التي يرسلها انعقاد القمة العربية في عاصمة الرشيد، أنه سوف يؤصل للانتماء العربي لدى العراق والعراقيين. لقد جاء وقت طغت فيه محاولات جرّ العراق بعيداً عن حاضنته العربية، ولأن تلك المحاولات الإقليمية كانت ضد طبائع الأمور، فإنها قد ذهبت أو خفّت على الأقل كما نرى في تطورات الفترة الأخيرة، بينما بقي أن العراق قُطرٌ عربي، وأنه عاش كذلك، وسوف يظل، وأن أي قفز فوق هذه الحقيقة هو تجاوز لما لا يمكن تجاوزه.

العراق قُطرٌ عربي لكل أبنائه، وهو سماء تُظلل كل مواطن يحمل جنسيته، وإذا بدا مثل هذا الكلام غريباً، فلأننا في زمن نجد أنفسنا في حاجة خلاله إلى تأكيد المؤكَّد نفسه، ثم إلى الإشارة إلى ما هو بدهيٌّ بطبيعته.

كَمْ كان مؤلماً أن نتابع توقيعات في البرلمان العراقي تدعو إلى عدم استضافة الرئيس السوري أحمد الشرع في القمة. حدث هذا وتابعناه منشوراً في أكثر من مكان، ولكن من حُسن الحظ أن أصحاب التوقيعات لم يشكلوا أغلبية، وإلا فإن الأخذ بما يدعون إليه كان كفيلاً بإحداث شرخ لا يمكن مداراته في قمة لم تنطلق أعمالها بعد. وعندما ذهب محمد شياع السوداني، رئيس الوزراء العراقي، إلى لقاء مع الشرع في الدوحة خلال زيارة له إليها، فإن رئيس الحكومة العراقية لم يَسلَم من الهجوم، ولكن من حُسن الحظ أيضاً أن العراق تجاوز عاصفة الهجوم ووضعها في حجمها الطبيعي.

وما كادت عاصفة الهجوم على السوداني تنحسر، ومعها دعوات عدم استضافة الشرع، حتى كانت دعوات أخرى قد انطلقت في الجزائر تطلب من الرئيس عبد المجيد تبون عدم حضور القمة، لا لشيء إلا لأن الرئيس هواري بومدين، كما قال أصحاب الدعوات، قد أُصيب بمرض غامض عقب زيارته العراق في 1978، ولأن طائرة الصديق بن يحيى، وزير الخارجية الجزائري الأسبق، قد سقطت أيام أن سعى إلى وساطة تُنهي الحرب العراقية - الإيرانية. ولكن أظن أن الحس العربي الجزائري القوي سوف يتجاوز هذه الدعوات، وسوف يكون بلد المليون شهيد في مكانه على طاولة القمة.

نظرةٌ إلى المشهد أمامنا تقول إن ما يواجه عواصم العرب في هذه اللحظة لم يحدث أن تكاثر عليها بهذا الشكل، ولا بهذا المنظر، ولا بهذه القوة، وإذا كان للعرب أن يراهنوا على شيء في مواجهة هذا كله، فليراهنوا على أنفسهم أولاً وآخراً، ولتكن القمة هي نقطة البدء لمثل هذا الرهان، لا لشيء إلا لأن كل رهان آخر جرى تجريبه، ولم يصل بنا إلى شيء، بل قادنا إلى ما نحن فيه مما لا تخفى تفاصيله على أحد.

عندما جاءت حكومة أحمد زيوار باشا في القاهرة قبل 1952، سمّاها رئيسها حكومة «إنقاذ ما يمكن إنقاذه». وبالقياس، فإنه لا بديل عن النظر إلى قمة بغداد على أنها قمة إنقاذ ما يمكن إنقاذه عربياً. أما ما يمكن إنقاذه فهو كثير، لأن لدينا أوراقاً عربية متنوعة يمكن توظيفها في مهمة الإنقاذ، وعندها سوف يفهم كل طامع في أرض العرب أن لديهم ما يستطيعون به الدفاع عن مصالحهم، وأن واديهم ليس أرضاً للمطامع المنفلتة، ويجب ألا يكون. إنني أتكلم عن أوراق سياسية، واقتصادية، ودبلوماسية، فلا أحد يريد حرباً، أو يدعو إلى قتال.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قمة بتوقيت بغداد قمة بتوقيت بغداد



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 13:06 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 12:58 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

يتناغم الجميع معك في بداية هذا الشهر

GMT 16:44 2019 الأربعاء ,01 أيار / مايو

المكاسب المالية تسيطر عليك خلال هذا الشهر

GMT 00:44 2017 الجمعة ,29 كانون الأول / ديسمبر

دار "دولتشي أند غابانا" تطرح مجموعة جديدة لعام 2018

GMT 18:24 2019 الإثنين ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

مصطفى حمدي يضيف كوتة جديدة لمصر في الرماية في أولمبياد طوكيو

GMT 03:44 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على قواعد الإتيكيت لكافة أنواع الرحلات

GMT 07:36 2021 الثلاثاء ,14 كانون الأول / ديسمبر

أسس في ديكورات مجالس الرجال الفخمة

GMT 11:57 2023 الأربعاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

برومو ”الاسكندراني” يتخطى الـ 5 ملايين بعد ساعات من عرضه

GMT 16:44 2018 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

تسريب صور مخلة للآداب للممثلة السورية لونا الحسن

GMT 15:14 2020 الأحد ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

شباب الأردن يتجاوز الفيصلي بثلاثية في دوري المحترفين

GMT 21:12 2020 السبت ,26 كانون الأول / ديسمبر

العناية ببشرة العروس من خلال هذه الخطوات

GMT 13:53 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 15:38 2016 الأربعاء ,07 كانون الأول / ديسمبر

نصائح للحماية من رائحة العرق الكريهة في الصيف

GMT 06:34 2013 السبت ,12 كانون الثاني / يناير

نسعى لإعادة إعمارها ما دُمر في الحرب الأخيرة

GMT 08:40 2019 الإثنين ,29 إبريل / نيسان

"سريلانكا" تحظر النقاب بعد تعرضها لهجمات متطرفة
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon