أمَّا السَّنة المنقضية فلا ذنبَ لها

أمَّا السَّنة المنقضية فلا ذنبَ لها

أمَّا السَّنة المنقضية فلا ذنبَ لها

 لبنان اليوم -

أمَّا السَّنة المنقضية فلا ذنبَ لها

بقلم: سليمان جودة

طَرَق العام الجديد باب العالم ثم دخل، بينما غادر العام المنقضي ممسكاً متعلقاته في يده، آسفاً على ما رآه منا طول السنة.

غادر متمنياً لو أن له لساناً يستطيع به رد الأذى الذي أصابه وهو يلملم أشياءه. غادر ولسان حاله يردد بيتين من الشعر للإمام الشافعي الذي عاش يقول:

نعيب زماننا والعيب فينا

وما لزماننا عيب سوانا

ونهجو ذا الزمان بغير ذنبٍ

ولو نطقَ الزمان لنا هجاناولا بد أنَّ كثيرين ممن تابعوا العالم وهو يُعلّق أخطاءه وخطاياه على شماعة السنة المنقضية، قد أسفوا على ذلك أشد الأسف، ولا بد أنهم قد ذكروا ما رواه القرآن الكريم عن موسى عليه السلام، وهو عائد يُعنّف بني إسرائيل على ما ارتكبوا في غيابه، وعلى عبادتهم العجل، وعلى استضعافهم أخاه هارون، فقال: «فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً».

مضى العام المنقضي إلى غايته، ثم إلى مكانه في عالم الغيب، وهو في أشد الغضب مما راح العالم يُعلقه على كتفيه، مع أنه عام مثل كل الأعوام، إنْ كان فيه خير فبما فعل الذين عاشوا فيه، وإنْ كان العكس فبما فعلوا هُم أيضاً لا سواهم.

مضت السنة المنقضية وهي تتساءل عما ارتكبته في حق أي أحد، وعما جَنته يداها لتتلقى كل هذا اللوم الذي طالها، والتقريع الذي أدركها، والسوء الذي تطلعت به الأعين إليها، والضيق الذي وجدته في وجه كل واحد كان يودعها، والبهجة التي بَدَت على وجوه كل الذين تمنوا رحيلها. لم يذكر لها أحد خيراً رآه فيها، ولم يتوقف أحد أمام غيث جاءه خلالها، ولا أقرّ أحد بشيء حصل عليه أثناءها. لا شيء أبداً، ولا حتى شيء يشبه الشيء؛ فالمشاعر كانت كلها استياءً في استياء، وحنقاً في حنق، وغضباً في غضب، وكل ما جاء على هذا المستوى، أو هذه العينة، أو هذا المَعين الذي امتلأ عن آخره حتى فاض على جانبيه!

مضت السنة المنقضية وهي تُطلق علامة استفهام بحجم الأرض، عما إذا كانت هي التي جاءت إلى البيت الأبيض برجل اسمه دونالد ترمب في أولها، فلم يكد يدخل مكتبه البيضاوي الشهير حتى كان قد سارع يقلب العالم رأساً على عقب؟

مضت السنة المنقضية وكأنها ذلك الرجل الذي جاءوا له بعروس لم يتوقع أن تكون قبيحة المنظر، فراح يأسى لحاله ويقول:

جاءوا بها قبل المحاق بليلة

فكان محاقاً كله ذلك الشهرُ

نعرف أن المحاق هو القمر في أقل حالات الإضاءة في الشهر، وأنه حالة يشتد فيها سواد الليل، فلا تكون الأجواء إلا ظلاماً يتراكم بعضه فوق بعض.

ومن بيت الشعر نفهم إلى أي حد كانت مأساة الرجل مع العروس التي وجدها أمامه، فلم يذكر من دنياه إلا أن زواجه كان قبل المحاق بليلة واحدة، وأن الشهر صار كله محاقاً، فلا القمر غادر مرحلة المحاق، ولا سواد الليل تبدد أو انكشف!

شيء من هذا مع الفارق حدث مع العالم، فكان وكأنه نُسخة بالكربون من أمر الرجل الذي تحوّل الشهر كله في حياته محاقاً شاملاً. كانت حالتنا طول السنة المنقضية شاملة أيضاً، وكانت صورة مكبرة بحجم العالم من حالة الرجل مع العروس، ولم نكن نعرف ونحن نستقبل الرئيس الأميركي الجديد في العشرين من يناير (كانون الثاني) في السنة المنقضية، أن حالنا في أركان الأرض سيكون كحال ذلك الرجل. فلقد تخيل عند لحظته الأولى أن عروسه ستكون فألاً حسناً عليه، فإذا بها سوء الحظ يتجسد في امرأة!

مضت السنة المنقضية وفي فمها أسئلة حرَّى حول ترمب فهو لا يتوقف عن الكلام، ولا عن الاسترسال، ولا عن الهجوم، ولا عن توجيه اللكمات في الاتجاهات الأربعة! إنه يبدو كالنار التي قيل فيها إنها تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله. إنه يمارس ما يمارسه في الليل كما يمارسه بالنهار، وكأن نوماً لا يزوره، أو كأنه لا يعرف النوم!

مضت السنة المنقضية ولسان حالها يقول إن الرجل القاطن في البيت الأبيض كذلك بالفعل، وإن الذين تَيسّر لهم أن يدرسوا هذه الحالة عنده، قالوا إنه يبدو وكأنه قد ورث ما يقال عنه إنه «جين ثاتشر». والقصد أن مارغريت ثاتشر، رئيسة الحكومة البريطانية السابقة، لم تكن تنام إلا قليلاً، وكانت تُرهق مَنْ حولها وتُتعبهم غاية التعب؛ لأنها كانت تريدهم متيقظين مثلها، ساهرين كحالتها، متأهبين محتشدين كما هي ساعات الليل والنهار!

مضت السنة المنقضية وهي تأمل منا أن نكون أفضل حالاً مع لاحقتها، ثم وهي تهمس في آذاننا أننا نحن الذين علينا أن نكون الأفضل لا السنة اللاحقة، التي لن تختلف عن سابقتها في شيء كمساحة زمنية مجردة لم تمتلئ بعد. إنما الاختلاف كله هو بين الناس وفي الناس.

إنْ اختلفوا اختلف عامهم الذي بالكاد يدق الباب، وإنْ لم يختلفوا فليبحثوا عن سبب آخر لتعاستهم بخلاف إلقاء المسؤولية على كتف السنة.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أمَّا السَّنة المنقضية فلا ذنبَ لها أمَّا السَّنة المنقضية فلا ذنبَ لها



GMT 06:37 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

شروط القمرة

GMT 06:34 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

بداية النهاية للترمبية كما تزعم «واشنطن بوست»؟!

GMT 06:32 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

ما بعد دافوس: من طمأنينة التحالف إلى إدارة المخاطر

GMT 06:30 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

تشويه الإصلاح مقامرة بلبنان!

GMT 06:27 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

روح السعودية الجديدة تكمن في إدارة الحركة

GMT 06:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

عن تقلّبات الطقس والسياسة

GMT 06:17 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

إلى أي مدى سينجح مجلس السلام في صناعة بديل؟

GMT 06:13 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حرب المخدرات والجرائم البشعة

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 07:17 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل
 لبنان اليوم - أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل

GMT 09:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب
 لبنان اليوم - حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب

GMT 19:21 2022 الأربعاء ,01 حزيران / يونيو

البدلة السوداء خيار كلاسيكي للرجل الأنيق

GMT 12:52 2021 الأربعاء ,04 آب / أغسطس

طريقة عناق حديثي الولادة تؤثر على صحتهم

GMT 10:32 2021 الأربعاء ,11 آب / أغسطس

جرعة أمل من مهرجانات بعلبك “SHINE ON LEBANON”

GMT 21:51 2020 الأربعاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

نادي فيردر بريمن الألماني يجدد عقد المدير الفني حتى عام 2022

GMT 16:48 2019 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

باشي يتسلم مهامه في مولودية الجزائر

GMT 23:35 2020 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

تعرفي على أصول فن و قواعد اتيكيت تناول الطعام

GMT 18:49 2025 الإثنين ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

قوات الاحتلال تهدد العمال من عدم التوجه للقدس

GMT 16:31 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

الجزائري عسله الأكثر تصديًا للكرات في الدوري

GMT 12:38 2022 الخميس ,17 شباط / فبراير

واتس آب يطرح أفضل ميزات الخصوصية على الإطلاق

GMT 22:49 2020 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

إليكِ أبرز ديكورات مغاسل الضيوف تعرّفي عليها

GMT 09:07 2021 السبت ,13 شباط / فبراير

القانون اليتيم

GMT 09:30 2016 الأربعاء ,11 أيار / مايو

لازم يكون عندنا أمل

GMT 20:25 2019 الإثنين ,15 تموز / يوليو

حيل مكياج لإخفاء الهالات السوداء بالكونسيلر
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon