إسرائيل الاعتراف الملغوم

إسرائيل... الاعتراف الملغوم

إسرائيل... الاعتراف الملغوم

 لبنان اليوم -

إسرائيل الاعتراف الملغوم

بقلم:د. آمال موسى

يمكن القول إنّ إسرائيل مدرسة في زرع الخوف والقلق والإرباك، خصوصاً تحويل وجهة الرأي العام؛ لكي تُعِدَّ وجبتها للأعداء في عتمة كاملة. وهذا ما تحاول فعله حالياً بخطوتها المربكة ذات الدّلالات الواضحة والغامضة كذلك، المتمثلة في اعترافها بأرض الصومال وتوقيع اتفاقية تعاون معها.

لا شك في أننا أمام تكتيك سياسي خطير وملغوم... فأن تكون إسرائيل الدولة الوحيدة التي اعترفت بأرض الصومال، وأن تكون جمهورية الصومال عضواً في جامعة الدول العربية؛ فالأمر باختصار عملية خلط أوراق وإرباك وجس نبض... وربما أكثر من ذلك بكثير.

وطبعاً لا يمكن أن يكون هذا الاعتراف فقط من أجل استفزاز الدول العربية والإسلامية، بقدر ما أنه اعترافٌ مُوجَّه يخدم مصالح إسرائيل أو يلبي جزءاً من مخططاتها بالمنطقة، وفي المقام الأول قطاع غزة.

يتطلب فهم أبعاد هذا الاعتراف وما يخفيه ربطه - أي الاعتراف - بحالة الجمود الراهنة في ملف إعمار غزة الذي يتطلب أموالاً واستقراراً ومصداقية. وفي السياسة لا شيء مجانياً، والهدف الأساسي من وراء حرب إسرائيل على غزة طيلة سنتين من الدمار والقتل إنما هو تهجير الفلسطينيين من غزة والتوسع فيها بالاستيطان، بدليل أن عمليات الاستيطان ما زالت متواصلة وفق شعار إسرائيل المعلن: «مع مقتل كل إسرائيلي تخسرون الأرض». إنه القانون الإسرائيلي المتجاوز كل القوانين الدولية.

في هذا السياق نفهم قوة الربط بين الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، والمسكوت عنه بشأن نية تهجير الفلسطينيين إلى هناك... إضافة إلى التعويل على البرد القارس في هذا الشتاء كي يتغلغل الشعور بأن غزة المدمَّرة ليست للعيش.

لنوضح أكثر: تنص الخطة الإسرائيلية - الأميركية على إفراغ قطاع غزة من سكانه. هذا القرار ليس جديداً؛ بل هو الأساسي. ومن أجل الانطلاق في تنفيذه، كانت الحرب الشرسة ضد غزة بوصف أن الحرب هي التي ستؤطر مشروع التهجير وتبني أسسه؛ المتمثلة أولاً في تحويل غزة إلى أرض مدمَّرة دون مرافق ليكون العيش فيها مستحيلاً على المدى البعيد. الوظيفة الثانية للحرب هي تقليص الحجم الديموغرافي لسكان غزة عبر قتل آلاف الأطفال والنساء، بل وعائلات بأكملها، وهذا ما وقع تحت أنظار العالم، ورغم «احتجاجه»، مع ضعف مؤسساته الدولية.

لذلك؛ فإن اتفاق إيقاف الحرب في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي هو في الحقيقة موعد استكمال الحرب للأهداف التي شُنّت من أجلها... وهكذا يكون رد إسرائيل على خطوة «حماس» أكبر بكثير من الفعل نفسه؛ لأن خطوة «حماس» ليست أكثر من علّة كانت تحتاجها إسرائيل لإعلان «لحظة الصفر» لانطلاق مشروع تهيئة غزة لتكون من دون فلسطينيين. وهكذا نفهم أيضاً لماذا أنفقت إسرائيل على الحرب ضد غزة من دون هوادة، ولماذا تجاهلت كل دعوات العالم إلى الوقف الفوري للحرب، واستمرت رغم كل الانتقادات والتهديدات؛ التي وصلت إلى حدّ صدور قرار ضدها من مجلس الأمن... بل إن تعنتها قاد دولاً مهمة عدّة إلى الاعتراف بفلسطين؛ مما زاد من هلعها... كما تأكدت أن تهجير أهالي غزة وحده هو الذي سيقضي على «الكابوس الفلسطيني» الذي تعيشه.

كل هذا لم يكن مجرد فورة غضب على ما قامت به «حماس»، فنحن أمام مخطط توسع اقتصادي يختلف عن عمليات التوسع التاريخية، حيث إن الاستعمار كان عنوان التوسع الاقتصادي للدول التي احتلت غيرها، أما المثال الإسرائيلي في احتلاله فلسطين، فإنه ابتكر التهجير القسري لتحقيق الأمن النهائي للإسرائيليين، وفي الوقت نفسه حصول الولايات المتحدة على مقابل دعمها إسرائيل وما خسرته بسبب هذا الدعم داخلياً وخارجياً، والمقابل، كما يراه البيت الأبيض في المرحلة الراهنة، اقتصادي محض.

بالنسبة إلى إسرائيل، فإن خيار الدولتين لا يلبي لها طموحها ولن يضمن لها الشعور بالأمن؛ لذلك كان التحرك بأقصى سرعة وأقسى مخطط؛ أي التهجير القسري.

وفي هذا السياق، فإن صمت الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال لا يمكن عَدُّه رفضاً بقدر ما أنه توزيع تدريجي للأدوار.

ونعتقد أنه لو وافقت مصر والمملكة الأردنية على دعوة الولايات المتحدة إلى استقبال أهالي غزة، وقبلتا بالتهجير المقنّع، ورضختا تحت ضغط جَزَرَة المساعدات، لما اعترفت إسرائيل بأرض الصومال، التي ستكون، على ما يبدو، بديلاً لمصر والأردن؛ مما يعني أن تلك الدعوة جزء من مخطط الحرب. وباعتبار الرفض الذي جوبهت به، فإنه أُجريَ تغيير بسيط، هو تغيير وجهة الاستقبال، لتكون أرض الصومال، وفق معادلةِ «الاعتراف مقابل خدمات تخص ملف غزة».

لنعترف أنها خطة لئيمة جداً. إن رفض البلدان العربية والإسلامية ظل على حاله، فالرفض كان لفكرة التهجير من جذورها، وليس رفض استقبال الفلسطينيين بذواتهم. وكما نرى، فإنّ الوضع الفلسطيني من تعقيد إلى تعقيد أشد.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إسرائيل الاعتراف الملغوم إسرائيل الاعتراف الملغوم



GMT 07:24 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

مطلوب نقابة للبلطجية!

GMT 07:23 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

من صدام إلى مادورو

GMT 07:21 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

إعصار

GMT 07:18 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

ليس يخلو المرء من ضد

GMT 07:16 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

الصعود السعودي: منطق الدولة ومقاربة الشراكة

GMT 07:14 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

نزع السلاح والإصلاح قبل الانتخابات في لبنان

GMT 07:06 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

مقالات الألم والأمل

GMT 07:03 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

لكل زلزال توابع

نادين نسيب نجيم تتألق بإطلالات لافتة في عام 2025

بيروت ـ لبنان اليوم

GMT 23:27 2021 الثلاثاء ,16 شباط / فبراير

تجاربك السابقة في مجال العمل لم تكن جيّدة

GMT 18:02 2025 الإثنين ,01 كانون الأول / ديسمبر

إسبانيا ترصد 8 حالات اشتباه بالإصابة بحمى الخنازير

GMT 18:43 2021 الخميس ,16 كانون الأول / ديسمبر

هدى المفتي تتعرض لانتقادات عديدة بسبب إطلالاتها الجريئة

GMT 15:59 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

تأجيل أولمبياد طوكيو يكلف اليابان 2 مليار دولار

GMT 17:32 2013 السبت ,13 تموز / يوليو

تحديث لتطبيق "Whatsapp" على" الويندوز فون"

GMT 11:28 2013 الجمعة ,19 تموز / يوليو

حظر مبيد حشري رابع فى إطار جهود حماية النحل

GMT 11:46 2019 الإثنين ,11 شباط / فبراير

تعرّف على "Corolla" الجديدة كليا من "تويوتا"

GMT 05:55 2019 الإثنين ,16 كانون الأول / ديسمبر

أسباب ودوافع النوم المبكر والاستيقاظ قبل ساعات الفجر

GMT 20:29 2025 الخميس ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

شن طيران الاحتلال سلسلة غارات على مدينة رفح جنوبي القطاع

GMT 22:22 2025 الإثنين ,06 تشرين الأول / أكتوبر

صيحة القفاز تفرض حضورها في إطلالات النجمات

GMT 16:30 2020 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

فساتين زفاف ناعمة وخفيفة للعروس لصيف 2020

GMT 21:10 2021 الأربعاء ,27 كانون الثاني / يناير

جنوب إفريقيا توافق على لقاح فيروس كورونا من "أسترازينيكا"

GMT 07:02 2016 الأحد ,21 شباط / فبراير

طرح أول سيارة "طائرة" للعامَة في غضون 8 أعوام
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon