المنطقة والحرب وسأم التاريخ

المنطقة والحرب وسأم التاريخ

المنطقة والحرب وسأم التاريخ

 لبنان اليوم -

المنطقة والحرب وسأم التاريخ

بقلم : عبدالله بن بجاد العتيبي

العالم كله يرصد ويتتبع الحرب التي اشتعلت في الشرق الأوسط بين إيران وإسرائيل، بشكل مباشر لأول مرة، ولئن استطاعت إسرائيل السيطرة على كامل الأجواء الإيرانية عسكرياً، فإن تل أبيب شهدت قصفاً حقيقياً بالصواريخ الإيرانية. لا أحد في العالم يؤيّد إسرائيل سوى أميركا التي تهدّد بالتدخل في هذه الحرب إن لم تستجب إيران إلى مطالبها ومطالب غالب دول العالم بإنهاء برنامجها النووي، ولكن لا أحد مستعدٌ للتدخل من أجل إيران لا من دول العالم الكبرى ولا الصغرى.

قد تكون الحقائق الواقعية على الأرض قاسيةً، ولكن التعامل معها كما هي واجبٌ ومسؤولية حقيقيةٌ، ولا يمكن للخرافات والأوهام أن تُنجي من الحقائق والوقائع، فالعقل هو الحكم الحقيقي لمصالح الدول والشعوب، ودعايات التجنيد في وقت الرخاء والتغاضي لا تنقذ أحداً حين تكون قائداً في لحظات الحرب الساخنة.

على طول التاريخ وعرض الجغرافيا كان البشر يتخاصمون ويتحاربون، فمنتصرٌ ومهزومٌ، وقد تعلّم البشر بأن يديروا حروبهم بطرائق مختلفةٍ تطورت بتطورهم، وكانت بعض الحروب تُخاض على طريقة خسارة المعركة أفضل من خسارة الحرب.

التاريخ الحديث والمعاصر مليء بالنماذج والأمثلة التي تؤكد هذه الفكرة، وأوضحها وأكثرها دلالة على هذا المعنى هي حرب أفغانستان ضد الاتحاد السوفياتي؛ حيث حشدت دول العالم ومعها الدول العربية ودول الخليج وإسرائيل وغيرها من الدول كل إمكاناتها للقضاء على الاتحاد السوفياتي وإضعافه.

مبدأ آيزنهاور في الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي كان «الإيمان ضد الإلحاد»، وجرت حرب أفغانستان أو «الجهاد الأفغاني» ضمن هذا المبدأ، وكان الاتحاد السوفياتي لا يعبأ بالأديان بشكل عامٍ، وكان همه نشر الشيوعية، ويقف ضد الأنظمة الرأسمالية حول العالم. قادت أميركا تحالفاً دولياً حقيقياً وعملياً، وكانت الأموال تتدفق من دول عدَّة، ومن مصادرة أموال المخدرات في أميركا والغرب، وكانت الأسلحة السوفياتية تأتي من جهات ومن دول عدة، وتصل إلى «ضياء الحق» في باكستان.

كان تجنيد الشباب للحرب يتم في دول عربية وإسلامية عدة، وكان واضحاً أن هذه المنظومة من التجنيد ستخلق تطرفاً إسلامياً مستقبلاً، وهو ما خرج في تنظيم «القاعدة».

مروّجو الأوهام في منطقتنا سياسياً وثقافياً وإعلامياً ما زالت لهم رايات تسوّقه، وأدواتٌ تزينه، فهم لا يذكرون الحقائق للناس، وإنما يروّجون لديهم ما يشبه الحقيقة وليس حقيقةً، فيكابرون على المعلومات والأرقام والحقائق لتسويق موقفٍ آنيٍّ أو سياسةٍ لحظيةٍ، وهو أمرٌ لا يمت إلى التحليل السياسي أو المنطق العلمي بصلة.

التاريخ لا يُعيد نفسه، ولكن رصد التشابهات بأحداثٍ قريبةٍ ماضية يوقظ الفكر ويدعو إلى التأمل، والشعوب المغيبة عن الواقع بالدعايات السياسية والآيديولوجية لا تستطيع إدراك حقيقة ما يجري في الواقع، ولا معرفة حجم المخاطر حتى تقع الكارثة.

في تاريخنا العربي الحديث والمعاصر ثمة نموذجان شهيران للدعاية السياسية الكاذبة كذباً أبقع، أولهما هو أحمد سعيد مذيع إذاعة «صوت العرب» المصرية الذي كان يكذب على ملايين المستمعين العرب في لحظة الحرب في 5 يونيو (حزيران) 1967 عبر إذاعته، ويزعم انتصاراً مصرياً كاذباً، في حين أن الهزيمة كانت ساحقةً ماحقةً على الأرض، وهو خطأ النظام السياسي أكثر منه خطأ مذيع، ولكنه التاريخ ورمزياته، حتى تفاجأ العرب جميعاً بالحقيقة.

والآخر هو محمد الصحاف، وزير خارجية وإعلام العراق زمن صدام حسين 2003، الذي كان يدّعي النصر ودحر العلوج حتى آخر لحظة من دخول قوات التحالف والقوات الأميركية إلى بغداد؛ حيث تفاجأ الشعب العراقي والعربي بالهزيمة النكراء التي قضت على نظامٍ سياسيٍّ حكم العراق لعقودٍ من الزمن.

السعودية ودول الخليج العربي رفضت وبشكل قاطعٍ الاعتداءات الإسرائيلية على إيران، الدولة المجاورة التي باتت تربطها بها معاهداتٌ واتفاقياتٌ مع حسن جوارٍ طويل، وهي ترفض هذه الاعتداءات الإسرائيلية، بناءً على موقفٍ ثابتٍ لها في دعم الاستقرار السياسي، ورفض التدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية للدول في المنطقة والعالم.

أخيراً، فكل الأمل أن تنتهي هذه الحرب، وأن تصل المنطقة للاستقرار، وتتجه إلى البناء والتنمية والمستقبل، فقد سئمت المنطقة وسئم التاريخ فيها من المغامرات غير المحسوبة.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المنطقة والحرب وسأم التاريخ المنطقة والحرب وسأم التاريخ



GMT 08:30 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 00:18 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 24 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 07:03 2024 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

أسبوع دبي للتصميم لعام 2025 يقدم معرض خواتم الرجال

GMT 08:55 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتسرّع في خوض مغامرة مهنية قبل أن تتأكد من دقة معلوماتك

GMT 15:59 2019 الأربعاء ,01 أيار / مايو

تواجهك عراقيل لكن الحظ حليفك وتتخطاها بالصبر

GMT 06:19 2024 الأربعاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024

GMT 16:26 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

بريشة : ناجي العلي

GMT 10:37 2026 الثلاثاء ,20 كانون الثاني / يناير

عون يهنئ شربل داغر بجائزة “نوابغ العرب 2025”

GMT 18:06 2025 السبت ,04 كانون الثاني / يناير

هاكرز يستهدفون تطبيق واتساب في أكبر أسواقه

GMT 17:28 2020 الجمعة ,11 كانون الأول / ديسمبر

أجمل موديلات تيجان عروس فخمة

GMT 19:02 2021 الجمعة ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أول رد عراقي بشأن درع إليسا الواقي بأول حفلاتها في بغداد
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon