ماذا عن اليوم الذي يلي

ماذا عن اليوم الذي يلي؟

ماذا عن اليوم الذي يلي؟

 لبنان اليوم -

ماذا عن اليوم الذي يلي

د.مصطفى علوش
بقلم : د.مصطفى علوش

«سئمت تكاليف الحياة ومن يعش     ثمانين حولا لا اب لك يسأم»         (زهير بن ابي سلمى)

ما هو مؤكّد هو انّه لا القرار الغبي بفرض تعرفة على وسائل التواصل الاجتماعي ولا عبثية أهل السلطة بشكل عام هما سبب اندلاع الثورة. ففي كل ثورة يأتي حدث ما ليصبح النقطة التي تطفح الكيل، أو الشعرة التي تقصم ظهر البعير.

فما يحدث اليوم لم يأتِ من العدم، بل هو نتيجة حتمية لتراكم خيبات الأمل التي أوصلت معظم الناس إلى اليأس، من إمكانية التغيير من دون حدث خارج المألوف.

لكن ما لم يره الحكم آتياً، هو إمكانية ان يتغلّب الناس على الانقسام المذهبي والطائفي، وتمكّنهم من كسر حاجز التبعية المطلقة لقائد أو زعيم.

من هنا، فإنّ الكارتيلات ذاتها، ومن مواقع متضاربة، كانت تراهن على هذا الانقسام وصبّ الناس بسببه على حمل ما لا يمكن حملانه، في مجتمع غير معتاد على السكوت والصبر مثل مجتمعنا.

لا اريد هنا ان اعطي الانطباع بأنني أتلو فعل ندامة ما لكي ادخل في معسكر النفاق المتمادي في تبني الثورة أو الادّعاء بالانتماء اليها، ولا ركوب الموجة لمجرد انّ الوقوف بوجهها مُكلف سياسياً، فانتمائي لم يتغيّر وما زلت كما كنت.

لكن بكل صراحة وموضوعية، لا أظن انّ شعبنا هو مجرد ضحية الكارتيلات أو انه بريء من دم الصدّيق، فنحن جزء مكمّل للعبة الإقطاع السياسي المذهبي المستدامة منذ اخترعنا بدعة اسمها الشراكة الوطنية. لقد دخل جزء كبير من شعبنا في لعبة الريعية والابتزاز المتبادل ما بين السلطة والمواطنين، وقد يكون احد محرّكي الثورة اليوم هو نضوب مصادر الريعية بشقيها المستند إلى المال العام والمال الخاص، بشكل لم يعد بإمكان الكرم فيه ان يغطي عيوب الإقطاع السياسي، و»من كان منكم بلا خطيئة فليرمه بأول حجر».

صحيح انّ جزءاً من اللبنانيين يعمل بكدّ وجهد لكسب أرزاقه، وآخرون اخرجوا أنفسهم من لعبة السلطة بحكم طبيعة عملهم، لكن لو نظرنا إلى واقع القطاع العام كمثل، وأحصينا نسبة من يقبض ولا يعمل بحكم علاقته مع الإقطاع ذاته، أو من يعمل ربع الوقت أو يعمل من دون فعالية أو يرتشي وهو محمي ولا يخاف لائمة، لفهمنا حجم المشاركة الشعبية في اللعبة التي أدّت إلى تطويل عمر منظومة التواطؤ المصلحي بين الناس والسلطة.

لكن في النهاية، فقد طفح الكيل، وحدثت الثورة ورُفعت شعارات «كلن يعني كلن»، وبالرغم من قناعتي بإجحاف شمل الكل على قدم المساواة. لكن الحق يُقال «انّ الساكت عن الحق هو شيطان اخرس»، وهو بالتالي مسؤول حتماً عن سكوته وهو في موقع المسؤولية، ومن هنا فانّه لا وقت للثورة لتفرّق وتصنّف درجات المشاركة في المسؤولية ليصبح الكل سواسية. وبالتالي فما يحدث اليوم، هو انّ الجميع تخطّى حاجز الحذر وتجنّب اتهام، وحتى شتم، من كان يعتبر انّ رهبة شخصه ستبقيه محصّناً في موقعه بحكم السطوة والقداسة.

ما لنا ولكل ذلك الآن؟ فالسؤال الملح اليوم، هو ماذا عن اليوم التالي؟

فالثورة هي لحظة في التاريخ ليس الّا. وفي حال استمرت اكثر من لحظتها فانّها ستتحول حتماً إلى فوضى عشوائية. والأسوأ يأتي عندما تدفع الفوضى الناس إلى الخضوع للطغيان لتفادي العشوائية، أي القبول بديكتاتورية ما.

ومن يقرأ التاريخ يعي تماماً حتمية ما أقوله. لذلك، فانّ أفضل الخيارات اليوم، في ظل الواقع الدستوري المعقّد في إنشاء الحكومات، هو ان تأتي الحكومة بإصلاحات جدّية وجذرية قادرة على إقناع معظم الناس بجدواها، وبالتالي التريث وإعطاء فرصة جديدة تحت الرقابة. وعندها لن يبقى في الشارع الّا من يسعى إلى الفوضى بحجة ان لا ثقة بالنظام.

الخيار الثاني، هو ان تذهب القوى السياسية إلى اتفاق على إنشاء حكومة من الاختصاصيين، بالرغم من اعلان «حزب الله» على لسان امينه العام رفض هذا الحل، ومن ثم تستقيل الحكومة، وتجري استشارات سريعة تُعلن إثرها الحكومة المصغّرة ليبدأ العمل على الإصلاحات المقترحة.

الخيار الأسوأ هو ان تستقيل الحكومة من دون بديل جاهز، وبالتالي الغرق التقليدي في إنشاء حكومة، فيغرق البلد في الانهيار المتسارع، والأهم في سعر صرف الليرة ، فتحلّ الفوضى، ومن بعدها العشوائية التي لا يُعرف لها نهاية. وهذا الكلام ليس للتهويل، بل هو نتيجة معرفة دقيقة بواقع الأمور.

قد يكون اليوم من السهل رفع شعار إسقاط النظام، وهو شعار محق ومنطقي، لانّ هذا النظام فشل في تأمين الاستقرار للناس. لكن إسقاط نظام من دون رؤية لنظام آخر يعني السقوط في المجهول، مع العلم انّ سلاح الطوائف جاهز فوراً لينزل إلى الشارع ليكون البديل.

الأمل اليوم هو في واحد من الحلّين الأولين، فمن شهد ما حلّ بنا وما حلّ بمن هم حولنا، يعلم تماماً تبعات ان يسقط كل شيء فجأة من دون بديل. 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ماذا عن اليوم الذي يلي ماذا عن اليوم الذي يلي



GMT 12:47 2019 الإثنين ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

لبنان: الاستقلال للشعب... والاحتلال للسلطة!

GMT 12:42 2019 الإثنين ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

المريض الايراني والعراق

GMT 12:37 2019 الإثنين ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

الدولة الوطنية من بيروت إلى بغداد

GMT 12:33 2019 الإثنين ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

لكن هؤلاء «الأشرار» هم أبناؤنا

GMT 12:31 2019 الإثنين ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

السرّ في اللغة

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 15:04 2023 الأحد ,07 أيار / مايو

الأطفال في لبنان بقبضة العنف والانحراف

GMT 22:37 2021 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

تعافي زيدان مدرب ريال مدريد من فيروس كورونا

GMT 21:41 2022 الأحد ,10 تموز / يوليو

تسريحات شعر قصير للعروس في 2022

GMT 18:03 2021 الجمعة ,17 كانون الأول / ديسمبر

تصاميم ساعات بميناء من عرق اللؤلؤ الأسود لجميع المناسبات

GMT 11:27 2025 الجمعة ,03 تشرين الأول / أكتوبر

تحضير بخاخ ماء الورد للعناية بالبشرة والشعر

GMT 10:36 2013 الخميس ,28 آذار/ مارس

بيبر: أنا لست كاملاً وسبب أخطائي هو صغر سني

GMT 20:59 2013 الثلاثاء ,16 تموز / يوليو

مصر عاشت سنة كبيسة مع "الإخوان"

GMT 16:44 2024 السبت ,13 إبريل / نيسان

طرق كلاسيكية وخالدة للرجال للارتقاء بالمظهر

GMT 19:41 2021 الجمعة ,17 كانون الأول / ديسمبر

اعلاميون لبنانيون يتعرضون لحادث سير مروع ويواجهون الموت

GMT 03:24 2013 الأحد ,27 كانون الثاني / يناير

ليل مصر طويل

GMT 06:02 2017 الإثنين ,30 تشرين الأول / أكتوبر

الفريق محمود حجازى

GMT 19:14 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

برشلونة يتجرع خسارة جديدة في الليغا على يد رايو فاييكانو

GMT 04:34 2013 الخميس ,17 كانون الثاني / يناير

طرح الطراز الجديد من "مرسيدس GL " للبيع في السعودية

GMT 18:36 2019 السبت ,05 كانون الثاني / يناير

نادي فروسية مكة ينظم حفل سباقه على كأس وزارة المالية

GMT 23:02 2018 السبت ,08 كانون الأول / ديسمبر

تعرفي على طرق لوقف إسهال الأطفال بحسب العمر
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon