بقلم:مشاري الذايدي
الحياةُ بلا معنًى قاتلة قاتمة، والإغراق في الراحة والمتع يفقدها طعمَها مع الوقت، فتصبح عاديةً موغلة في العادية مع تقادم الأيام وكرّ الليالي وفرها.
المفارقة أنَّه رغم تزايد أسباب الراحةِ في السفر والمواصلات والطعام والترفيهيه... إلخ، بدرجات نوعية عن الماضي، فإنَّ معدلات القلق وفقدان الرغبة والقتامة في تزايد هي الأخرى.
في مقابلة مع برنامج بودكاست أميركي، قال إيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا» إنَّ الادخار للتقاعد سيصبح بلا جدوى قريباً، على الرغم من أنَّه ظلَّ ركناً أساسياً في التخطيط المالي الشخصي لأكثر من قرن. وبشأن ادخار المال للتقاعد بعد 10 أو 20 عاماً، قال ماسك: «إذا صحَّ أيٌّ مما ذكرناه، فسيكون الادخار للتقاعد غير ذي جدوى»، لكن كيف سيكون المستقبل - حسب قارون العصر الرقمي... ماسك؟
يقول لنا الأخ ماسك: «المستقبل المشرق هو أن يتمكَّن أي شخص من امتلاك ما يريده». وأضاف: «هذا يعني رعاية طبية أفضل من أي رعاية متاحة اليوم، ومتاحة للجميع في غضون 5 سنوات. لن يكون هناك نقص في السلع والخدمات. يمكنك تعلُّم أي شيء تريده مجاناً».
هل هذا جيد يا عم ماسك؟ يحذرنا سيد «تسلا» و«إكس» و«سبيس إكس» وغيرها من أيقونات العصر الماسكي، من انتقال «وعر» إلى هذا العالم المثالي، يتَّسم بتغيرات جذرية واضطرابات اجتماعية»، لكن أهم نقطة أشار لها هي أنه في حال حصول كل هذه الراحة ربما يحدث فقدان الهدف.
وتساءل: «الآن، إذا حصلت بالفعل على كل ما تريده، فهل هذا هو المستقبل الذي تريده حقاً؟».
هناك من يرى أن ماسك لا يرى العالم بصورته الحقيقية، وأن الجزع مِن تأمين المستقبل المالي والبحث عن الوظيفة ثم الحفاظ عليها والترقي فيها، هو جزع أغلب البشر وقلقلهم، وليس صحيحاً أنَّ الناس ستنسى هذه الهواجس خلال عشر أو عشرين سنة.
لكن دعونا نُجَارِ إيلون ماسك في توقعاته هذه، بخصوص أن القلق على الوظيفة، أو الحرص على التقاعد، وكذلك موضوع انتهاء القلق على الطعام والصحة، سيكون من الماضي.. فماذا سيبقى من التحديات التي تحفز الطاقة الفوارة في داخل الإنسان؟!
الإسراف في الراحة والخلود للدعة والامتلاء من كل شيء هو عين الفساد. قال الشاعر العباسي الناصح الكبير أبو العتاهية في خلاصة كافية:
إن الشَبابَ وَالفَراغَ وَالجِدَه مَفسَدَةٌ لِلمَرءِ أَيُّ مَفسَدَة
الرحلة للوصول إلى الهدف والتعب الذي يرافقها هما من أعمق ما يجعل الإنسان إنساناً...
عالم إيلون ماسك «المرطرط» في الراحة سيؤدي لعمار الجسد وخراب النفس، مع أنه لو صدقت التوقعات حول التطور الطبي الثوري، فهذا ما يريده كل إنسان عادي وعاقل على الكوكب... لكن حديثنا عن إماتة الرغبة في اكتشاف الحياة من خلال اختبار صعوباتها.