سبعة عقود من الكفاح الوطني

سبعة عقود من الكفاح الوطني

سبعة عقود من الكفاح الوطني

 لبنان اليوم -

سبعة عقود من الكفاح الوطني

رجب أبو سرية
بقلم - رجب أبو سرية

ربما كانت أسوأ لحظات النكبة الفلسطينية التي حلت بشعبنا العام 1948، هي تلك اللحظة التي ارتبطت بالواقعة نفسها، حيث لم يكن أحد يتخيل أو يتوقع حدوث ما حدث، نظراً إلى أن الوجود «اليهودي» في فلسطين كان طارئا، وكان الناس يتوقعون أن تنجح الجيوش العربية، وربما بكل سهولة في القضاء على مجموعات عصابية مسلحة عدوة، أو على الأقل أن تفرض عليها التقوقع في أضيق نطاق ممكن، وذلك بعد خروج «حاميها» وعرابها، أي الانتداب البريطاني.
والحقيقة أن وقوع النكبة كان صادما للشعب الفلسطيني، الذي وجد نفسه وهو شبه أعزل في مواجهة عصابات مسلحة متطرفة لم تتوانَ عن ارتكاب المجازر بحق المواطنين لتحقيق هدف «تفريغ» الوطن من شعبه، لتحقيق مقولة الأرض بلا شعب، لدرجة أن الشعب لم يستوعب ما حدث إلا بعد مرور سنوات، أدرك خلالها، أن الأنظمة العربية تتراوح بين موقفين، أحدهما موقف المتورط بالخفاء مع العدو، والثاني العاجز عن حماية الشعب الفلسطيني، ليس من خطر القتل وحسب، ولكن من خطر الطرد أيضا.
وهكذا لم تنتهِ نكبة العام 48، بإقامة «دولة إسرائيل» وعدم قيام دولة فلسطين، وفق قرار التقسيم، على أقل تقدير، ذلك الذي صدر عن الأمم المتحدة في العام الذي سبق عام النكبة، أي العام 1947، ولا بنتيجة تجاوز «دولة إسرائيل» المعلنة لحدودها وفق ذلك القرار، وحسب، ولكن أيضاً بتهجير نصف الشعب الفلسطيني، إلى خارج حدود فلسطين التاريخية، الانتدابية، كذلك تهجير أكثر من نصف من تبقى داخل وطنه، إضافة إلى المجازر العديدة التي ارتكبت، ومن ثم تدمير معظم القرى، وهي نحو 400 قرية، فيما تم اجتياح المدن لاحقاً بالتهويد، وهكذا فإن آثار النكبة لم تتوقف عند تلك الحدود التي حدثت في ذلك العام وحسب.
في حقيقة الأمر، فإن الصهيونية العالمية، لم تكن تخطط «لدولة يهودية» في نصف فلسطين وحسب، وهي كما قال شمعون بيريس يوما، ظلت تمارس سياسة «الذئب في جلد نعجة»، لذا فإنها اعتمدت لاحقا في تنفيذ سياسة الحفاظ على الدولة أولا، ومن ثم توسيعها ثانيا، على عاملين، الأول هو بقاء الشعب الفلسطيني تحت الوصاية العربية، ما دامت الوصاية العربية ليست عدوة في حقيقتها لمخططاتها، أو أنها عاجزة عن إفشالها لهذا السبب أو ذاك ثانيا.
لذا فهي قبلت قرار التقسيم، ما دام أنه سمح لها بإقامة الدولة، ثم لم تسأل لاحقا عن تجاوزها لحدود تلك الدولة وفق قرار التقسيم، وكان وعد بلفور نفسه قبل ذلك قد نص على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ولم يقل لا دولة، ولا على كل فلسطين، وكانت سياسة ديفيد بن غوريون تواجه معارضة من غلاة الصهيونية أتباع جناح غابوتنسكي، الذين أنجبوا بعد ذلك الليكود الحالي، لأنهم كانوا يعرفون حقيقة الأهداف الصهيونية التي لا تكتفي بنصف فلسطين، وحتى لا تكتفي بكل فلسطين، وما زالوا يخلصون لهذه الأيديولوجية حتى اليوم، ولا حدود لأطماعهم، التي يواظبون على العمل من أجل تحقيقها، ولهذا يسعون اليوم لأفراغ كل المنطقة العربية المحيطة بإسرائيل من عناصر القوة، تمهيدا للانقضاض عليها في اللحظة المناسبة .
لكن عجلة التاريخ لا تسير في اتجاه واحد، ولكل فعل في الحياة كما في الطبيعة، رد فعل مساوٍ له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه، لذا ما كانت إلا سنوات قليلة، وبدأت ملحمة الكفاح الوطني الفلسطيني، أولا في الضفة والقطاع اللذين بقيا خارج نطاق إعلان قيام «دولة إسرائيل»، وثانيا داخل المجتمع العربي/الفلسطيني داخل إسرائيل نفسها، ثم في مخيمات الشتات التي احتضنت الثورة المسلحة بعد عام 67، وإن تعددت أشكال وأدوات الكفاح الوطني من أجل تثبيت الهوية الوطنية أولا ومن أجل الصمود والبقاء على أرض الوطن ثانيا.
وهكذا تم وضع حد لمقولة أرض بلا شعب، على الأقل في ما لم يحتل العام 48 من أرض فلسطين، ولهذا السبب ما زالت الضفة الغربية وقطاع غزة، رغم مرور أكثر من سبعة عقود على واقعة النكبة، يشكلان العقبة الكأداء على طريق تحقيق مشروع إسرائيل الكبرى، ولم يقتصر الأمر على الصمود وحسب، بل قبل أن تكمل النكبة عقدين من عمرها، كانت المقاومة المسلحة تنطلق في العام 65، لتضع فلسطين على خارطة السياسة الدولية، وتزرع بذور الدولة الفلسطينية المستقلة التي يريدها ويقر بها كل العالم، والتي بإقامتها على أرض الواقع، يتم إجهاض مشروع التوسع الإسرائيلي وصولاً إلى إسرائيل الكبرى، نهائيا والى الأبد.
سبعة عقود كاملة من الجرح المستمر والمتواصل، ورغم أنه يمثل وصمة عار على جبين النظام العالمي، إلا أن الشعب الفلسطيني، الذي كان يقف وحده في معظم الأوقات يقاتل وحشا مدججا بكل أدوات القوة والقتل، مدعوما من أقوى دولة في العالم، ومحميا بها سياسيا وعسكريا واقتصاديا، وبشكل متواصل منذ العام 65 حتى الآن، أي منذ خمسة وخمسين عاما، والشعب الفلسطيني ما زال يكافح كفاحا مشروعا أقرته الأمم المتحدة، إن كان عبر الكفاح المسلح أولا، ومن ثم عبر الانتفاضة الشعبية ثانيا، ثم عبر الكفاح الشعبي متعدد الأدوات والأشكال والأساليب ثالثا، وما زال الكفاح مستمراً.
من يقُمِ اليوم بالوقوف عند ثقافة الجيل الفلسطيني الشاب، إن كان داخل فلسطين، حيث احتفظ نصف شعبها بالبقاء على أرض وطنه، أو خارج فلسطين حيث النصف الثاني ما زال يتطلع للعودة إلى وطنه، يدركْ جيدا، أن الأوهام وحدها كانت تداعب مخيلة غولدا مائير حين قالت إن الكبار يموتون والصغار ينسون، ولعل الأوهام الاستعمارية ما زالت هي التي تملأ رؤوس قادة إسرائيل، الذي لم يستوعبوا، بعد كل هذه السنوات، أن الشعب الفلسطيني غير قابل للاستئصال، فها هو يناطحهم رأسا برأس، رغم عدم توازن الإمكانيات، وهم بحاجة لأن يستفيقوا من غفلتهم، ويقبلوا بالحل الوسط التاريخي، بما يتجاوز حقبة الاستعمار، التي عاشت في ظلها وبفضلها قامت إسرائيل وبقيت دولة احتلال لأرض وشعب دولة أخرى!

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سبعة عقود من الكفاح الوطني سبعة عقود من الكفاح الوطني



GMT 00:53 2021 الأربعاء ,13 كانون الثاني / يناير

فخامة الرئيس يكذّب فخامة الرئيس

GMT 21:01 2020 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

بايدن والسياسة الخارجية

GMT 17:00 2020 الخميس ,17 كانون الأول / ديسمبر

أخبار عن الكويت ولبنان وسورية وفلسطين

GMT 22:48 2020 الثلاثاء ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

عن أي استقلال وجّه رئيس الجمهورية رسالته؟!!

GMT 18:47 2020 الأربعاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب عدو نفسه

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 17:53 2020 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 21:09 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

يحالفك الحظ في الايام الأولى من الشهر

GMT 21:25 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 00:13 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج السرطان الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 13:47 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أجواء إيجابية لطرح مشاريع تطوير قدراتك العملية

GMT 20:36 2021 الإثنين ,08 شباط / فبراير

التفرد والعناد يؤديان حتماً إلى عواقب وخيمة

GMT 20:29 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

النوم 7 ساعات يحمي كبار السن من مرض خطير

GMT 14:59 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

عليك أن تتجنب الأنانية في التعامل مع الآخرين

GMT 14:02 2020 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 20:44 2019 الثلاثاء ,26 شباط / فبراير

الدوري السعودي يشهد إقالة 15مدربًا هذا الموسم

GMT 15:25 2016 الخميس ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

برج الثعبان.. عاطفي وحكيم وعنيف في بعض الأوقات

GMT 17:50 2018 الثلاثاء ,24 تموز / يوليو

في نسف الثّقافة..

GMT 20:11 2022 الخميس ,21 تموز / يوليو

هواوي تعلن رسميا إطلاق لاب توب Huawei MateBook 14

GMT 05:36 2021 الثلاثاء ,05 كانون الثاني / يناير

الترجي التونسي يوثق مسيرة "قلب الأسد" في ذكرى وفاته

GMT 10:18 2021 الجمعة ,29 كانون الثاني / يناير

نيويورك تايمز" تعلن الأعلى مبيعا فى أسبوع

GMT 22:21 2020 الثلاثاء ,29 كانون الأول / ديسمبر

الرفاهية والاستدامة لأجل الجمال مع غيرلان

GMT 17:31 2022 الخميس ,21 تموز / يوليو

غوغل تعرض أحدث نظارات الواقع المعزز

GMT 14:35 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

تحقيق مع موظفين بالجمارك بتهم ابتزاز مالي في مرفأ بيروت
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon