عـن ثـورات الـعـبـيـد

عـن ثـورات الـعـبـيـد

عـن ثـورات الـعـبـيـد

 لبنان اليوم -

عـن ثـورات الـعـبـيـد

عبد الغني سلامة
بقلم - عبد الغني سلامة

لم تعرف البشرية في تاريخها الطويل نظاماً أسوأ من العبودية، هذا النظام القبيح موغل في القِدم، وقد نشأ مبكرا جدا، منذ بدايات تشكل المجتمعات والدول، مارسته كل الشعوب بحق بعضها، حيث كانت الجيوش الغازية تستبيح جاراتها، وتسترق رجالها، وتسبي نساءها، وحتى داخل الشعب الواحد، حيث كان القوي يستعبد الضعيف.. بل إن نظام الدولة نشأ أساسا بهدف حماية وشرعنة العبودية.
في العبودية، لا كرامة للعبد، لا حقوق، ولا حياة خاصة، ولا حتى اعتراف بإنسانيته، يتحول إلى آلة إنتاج، وخدمة، وإذا أعرب عن تظلمه بأي شكل، سيلاقي أشد العذاب.. كان العبيد يعملون منذ الصباح الباكر، وحتى بعد مغيب الشمس، إلى أن تنهك أجسادهم تحت السياط والشمس اللافحة، وفي أسوأ الظروف، وأكثرها قسوة.. كان يتم الاتجار بهم، وعرضهم في أسواق خاصة، كان يتم تفريق العائلات عن بعضها، وكانت النساء يُغتصبن أمام أهاليهن.. والأطفال يُجبرون على العمل منذ سن السادسة.
كان العبيد سابقا من كل الأجناس والألوان، ولكن الأوروبيين في الحقبة الأخيرة جعلوا العبودية مقتصرة على السود، حيث صارت إفريقيا منبع تجارة العبيد، ووجد ملاك الأراضي في العالم الجديد، والتجار والقراصنة والسماسرة في هذه القارة كنزاً لا ينضب، كانوا يحسبون العبيد ضمن بقية البضائع والمنتجات المنهوبة من إفريقيا.. يكدسونهم في سفنهم الرهيبة كما لو أنهم أكياس حبوب، أو براميل نبيذ.
حتى نهاية القرن الثامن عشر، كان عدد العبيد الذين تم جلبهم من إفريقيا إلى أميركا الجنوبية نحو 8 ملايين عبد، ومليونين آخرين تم سوقهم إلى أوروبا، وفي القرن التاسع عشر تكثفت تجارة العبيد بشكل محموم، وصارت الولايات المتحدة المركز الجديد لهذه التجارة، فكان ينقل إليها نحو مائة ألف عبد سنويا.
بعد مقتل نحو خمسين مليون عبد (أثناء نقلهم، أو بسبب ظروف عملهم القاسية)، كانت بريطانيا أول دولة تلغي العبودية، وقد أصدرت قراراً يحرم الاتجار في العبيد سنة (1807)، لكن ذلك القرار لم يكن صحوة أخلاقية من الرجل الأبيض، بل بسبب التغييرات الاقتصادية التي أحدثتها ثورة هاييتي (1791 - 1804)، تلك الجزيرة كانت تمثل نصف إمدادات التجارة العالمية من السكر، الذي كان أهم سلعة حينها، فلما خسرها البيض تحول مسار تجارة العبيد إلى الولايات المتحدة، فلم ترغب بريطانيا في أن يستفيد خصومها ومنافسوها (أميركا، فرنسا، البرتغال، إسبانيا) من هذه التجارة، وأرادت حرمانهم من مصدر إنتاجي مهم، ومن ناحية ثانية، بدأت تتحول من فكرة جلب العبيد إليها، أو إلى مستعمراتها، إلى فكرة استعباد الشعوب في أوطانهم، ونهب ثرواتها على أيديهم، أي فكرة الاستعمار الكولونيالي.
أما الولايات المتحدة، فقد ألغت العبودية في بداية ستينيات القرن التاسع عشر، وأيضا لم تكن الدوافع أخلاقية ولا إنسانية؛ بل بسبب تحولات أدوات ووسائل الإنتاج في الولايات الشمالية، وتغير بنيتها الاقتصادية، ورغبة منها في ضم الولايات الجنوبية، التي كانت تعتمد في اقتصادها على العبيد، والاستفادة من العبيد أنفسهم في الحرب الأهلية ضد أعدائهم الجنوبيين.
المهم، أن العبودية انتهت.. ولكن أحد أهم أسباب انتهائها تمثل في ثورة العبيد في هاييتي.. لم تكن تلك أول ثورة عبيد في التاريخ، فقد سبقتها ثورات كثيرة، أشهرها ثورة «سبارتاكيوس» في القرن الأول الميلادي، وثورة الزنج في العراق في القرن التاسع الميلادي (قد نتناولها في مقال قادم)..
في هاييتي اكتشفت حديثا مئات المقابر الجماعية، لرجال ونساء من العبيد لم يبلغوا الثلاثين، هرموا وماتوا من شدة التعذيب.. ما يدل على سوء أوضاعهم آنذاك.. ما حدث حينها، انتصار الثورة الفرنسية (1789)، والتي وصلت أصداء شعاراتها المنادية بالحرية والمساواة إلى جزر الكاريبي.. كان السود آنذاك يشكلون الأغلبية الساحقة من سكان البرازيل وفنزويلا وجزر الكاريبي، وكان البيض أقلية، لكنها مسيطرة بالحديد والنار.. كانت هاييتي تستقبل 45 ألف عبد سنويا.
بعد سنوات قليلة من قمع ثورة القائد «أمادور»، بدأت الجزيرة تغلي، وأخذ العبيد يفرون من مزارعهم ويلجؤون إلى الجبال، وينظمون صفوفهم، ويغيرون على مزارع البيض، وفي يوم 22 آب 1791، في تلك الليلة العاصفة، وعند حلول الظلام، تجمعت أفواج غفيرة من العبيد عند غابة التمساح، للاستماع إلى فواكيما، كاهنة الفودو، وهي تستدعي آلهة الأسلاف الأفارقة.. وقفت وسط الجموع، وأخذت تخطب بهم، وتحثهم على الثورة، قائلة: «الرب الذي خلق الأرض، والشمس التي تعطينا النور، الرب الذي يمسك البحر، ويجعل الرعد يهدر.. أيها الرب السميع، يا من تختبئ خلف الغيوم، وتشاهدنا من مكانك العلي، أنت ترى كل ما نعانيه بسبب البيض، ربُّ الرجل الأبيض يطلب منه أن يرتكب الجرائم بحقنا، لكن الرب الذي بداخلنا يريد منا فعل الخير، إلهنا الطيب والعادل يأمرنا أن نثأر لمظالمنا، وأن نثور على جلادينا، وهو الذي سيوجه سواعدنا، ويأخذنا إلى النصر، هو من سيساعدنا، علينا جميعا أن نتخلص من صورة رب الرجل الأبيض عديم الرحمة، أنصتوا لصوت الحرية الذي يصرخ في قلوبنا جميعا».
منذ تلك الليلة، تصاعدت الثورة بشكل عنيف، وأخذت تنتشر في عموم الجزيرة، استمر الكفاح اثنتي عشرة سنة، قادها سائق عربة يدعى فرانسواتوسا، وآخر اسمه دوتي بيكمان، هبت فرنسا لنجدة مستعمرتها، لكن الثوار سحقوا جيوشها، وألحقوا بنابليون هزيمته العسكرية الأولى، وهرب عشرة آلاف من البيض من الجزيرة، وفي العام 1804، ولدت أول جمهورية للسود من رماد الثورة، ليتردد صدى كلمة الحرية في جميع مزارع العبيد في الأميركتين، وفي كل جزر الكاريبي، ومن ثم في كافة أرجاء العالم. بعدها بثلاث سنوات ألغت بريطانيا تجارة العبيد. وبعدها بنصف قرن ألغتها الولايات المتحدة، لكنها احتاجت قرنا كاملا بعد ذلك حتى تخلصت من نظام التمييز العنصري.
مع أن العبودية الغيت في كل العالم بشكل رسمي، إلا أن ذيولها، وثقافتها، وإرثها الثقيل ما زال قائما، وبأشكال جديدة.
لا أعرف كم ستحتاج البشرية حتى تتخلص من كل أدرانها، وتنتصر لإنسانيتها، وتبني عالما دون حروب، ودون عنصرية، ودون استعباد.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عـن ثـورات الـعـبـيـد عـن ثـورات الـعـبـيـد



GMT 00:53 2021 الأربعاء ,13 كانون الثاني / يناير

فخامة الرئيس يكذّب فخامة الرئيس

GMT 21:01 2020 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

بايدن والسياسة الخارجية

GMT 17:00 2020 الخميس ,17 كانون الأول / ديسمبر

أخبار عن الكويت ولبنان وسورية وفلسطين

GMT 22:48 2020 الثلاثاء ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

عن أي استقلال وجّه رئيس الجمهورية رسالته؟!!

GMT 18:47 2020 الأربعاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب عدو نفسه

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 17:53 2020 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 21:09 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

يحالفك الحظ في الايام الأولى من الشهر

GMT 21:25 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 00:13 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج السرطان الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 13:47 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أجواء إيجابية لطرح مشاريع تطوير قدراتك العملية

GMT 20:36 2021 الإثنين ,08 شباط / فبراير

التفرد والعناد يؤديان حتماً إلى عواقب وخيمة

GMT 20:29 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

النوم 7 ساعات يحمي كبار السن من مرض خطير

GMT 14:59 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

عليك أن تتجنب الأنانية في التعامل مع الآخرين

GMT 14:02 2020 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 20:44 2019 الثلاثاء ,26 شباط / فبراير

الدوري السعودي يشهد إقالة 15مدربًا هذا الموسم

GMT 15:25 2016 الخميس ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

برج الثعبان.. عاطفي وحكيم وعنيف في بعض الأوقات

GMT 17:50 2018 الثلاثاء ,24 تموز / يوليو

في نسف الثّقافة..

GMT 20:11 2022 الخميس ,21 تموز / يوليو

هواوي تعلن رسميا إطلاق لاب توب Huawei MateBook 14

GMT 05:36 2021 الثلاثاء ,05 كانون الثاني / يناير

الترجي التونسي يوثق مسيرة "قلب الأسد" في ذكرى وفاته

GMT 10:18 2021 الجمعة ,29 كانون الثاني / يناير

نيويورك تايمز" تعلن الأعلى مبيعا فى أسبوع

GMT 22:21 2020 الثلاثاء ,29 كانون الأول / ديسمبر

الرفاهية والاستدامة لأجل الجمال مع غيرلان

GMT 17:31 2022 الخميس ,21 تموز / يوليو

غوغل تعرض أحدث نظارات الواقع المعزز

GMT 14:35 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

تحقيق مع موظفين بالجمارك بتهم ابتزاز مالي في مرفأ بيروت
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon