عن المتاهة الليبية

عن المتاهة الليبية

عن المتاهة الليبية

 لبنان اليوم -

عن المتاهة الليبية

عبير بشير
بقلم : عبير بشير

لا تستطيع مصر المقطوعة عن مشرقها بتنامي الكيان العنصري الإسرائيلي، تحمّل قَطْعِها عن مغربها وهي في وسط القوس، في إفريقيا الشمالية. منطق الدولة في مصر يجعل من خسارة ليبيا لصالح أي توازن قوى يضع مصر خارجه هو فعلاً تطويق جيوسياسي واقتصادي خانق لها، في وقت يبدو فيه الخطر المائي الآتي من إثيوبيا مشروع خنق وجودياً لمصر. فأزمة المياه تتفاقم، كأنها توشك أن تهوى من فوق منحدرات الهضبة الإثيوبية، إلى حيث يتهدد الأمن والسلم في حوض نهر النيل.. والأزمة الليبية تكاد تنفجر بالنيران عند الحدود الغربية لمصر.

وثبت في السنوات الأخيرة، أن انفلات الوضع الليبي خطر مباشر ويومي على الأمن الداخلي المصري واجهه الجيش والمجتمع المصريان بأكلاف عالية. الوضع في سيناء، وتهريب الأسلحة والإرهابيين على طول الحدود الغربية حقيقة واقعة، تكشف عن مدى الإصرار على التلاعب بأمن مصر، خصوصاً إذا ما تمركزت قرب الحدود قوات توالي الاستخبارات التركية وتضم عناصر تنتسب إلى "داعش" ومثيلاتها، فإن هناك استباحة أمنية مؤكدة تقارب ما حدث بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافى حين سربت إلى الداخل المصري شحنات سلاح من مخازن الجيش الليبي المفكك ومخلفات حلف الناتو.

لذلك فالتطورات الدراماتيكية الحاصلة في الملف الليبي، ووصول قوات حكومة الوفاق المدعومة من تركيا إلى مشارف مدينة سرت، باتت تشكل تهديداً لمعادلة الأمن القومي المصري والعربي، وهذا ما يفسر الخطوط الحمراء التي رسمها الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتلويحه بإمكانية التدخل لحماية وتأمين المصالح المصرية والإقليمية.الرئيس السيسي تحدث بوضوح وقال: إن خطوطنا الحمراء في ليبيا هي سرت والجفرة، وإن أي قوة معادية تتخطى هذه الحدود تهدد الأمن القومى المصري.

التدخل التركي الفج والكامل، والانسحاب الروسي من دعم الجيش الوطني والذي يرتسم تحته أكثر من علامة استفهام، مكّن حكومة الوفاق الليبية برئاسة فايز السراج من توجيه لكمات عسكرية للجيش الوطني بقيادة حفتر؛ حيث جرت تراجعات ميدانية مفاجئة للجيش الوطني وسيطرت حكومة الوفاق على كامل مدن الغرب الليبي خصوصاً ترهونة، ثم تمكنت من فك حصار الجيش الوطني عن طرابلس، بل وزحفت باتجاه السيطرة على مدينة سرت بالقرب من الهلال النفطي.

هذا التطور قلب كل الموازين. وكان لافتاً الاجتماع المثير في توقيته وطبيعته في مدينة زوارة غرب ليبيا، الذي ضم فايز السراج ووزير داخليته إلى جانب الجنرال ستيفن تاونسند قائد القوات الأميركية في إفريقيا مصحوباً بالسفير الأميركي، ما يعني ضوءاً أخضر من واشنطن لتركيا وفايز السراج.وعلى ما يبدو، فهناك تأييد من واشنطن لعمليات أنقرة في ليبيا، لصد النفوذ الروسي، وصفقة خفية بين موسكو وأنقرة تقوم على استعداد تركيا، لتقديم تنازلات في إدلب السورية لصالح موسكو وحلفائها، والتوصل إلى تقاسم مصالح ونفوذ في ليبيا على غرار مسار أستانة وتفاهمات سوتشي بشأن الأزمة السورية، مقابل حياد موسكو في الأزمة الليبية.

كما يبدو جلياً أن الإستراتيجية التركية في إدارة الأزمة الليبية، تعمل على بناء نقاط تمركز عسكرية مستدامة في قاعدتي الوطية الجوية ومصراتة البحرية، والسيطرة على الهلال النفطي والتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط دون مقاومة كبيرة، اعتماداً على مناورات سياسية وإستراتيجية بين القطبين الكبيرين الولايات المتحدة وروسيا. وكان هناك رهان تركي،على خشية مصرية من الانخراط العسكري في الأزمة الليبية.نحن أمام إستراتيجية تركية تتخطى ما هو شائع من اتهامات للرئيس التركي أردوغان من هوس بالخلافة الإسلامية، أو إعادة إحيائها بثوب عثماني جديد.

إنه النفط والغاز أولاً، والتمدد الإقليمي واكتساب مناطق نفوذ بقوة العضلات العسكرية ثانياً.وبدا التلويح المصري بالتدخل العسكري، في توقيته وإخراجه كرسالة سلاح منضبطة تحت سقف معلن، أنه لن يستخدم إلا إذا جرى تجاوز خط سرت ــ الجفرة.هذا ليس إعلان حرب بقدر ما هو تعبير عن مشروع تدخل إذا لم تحترم الخطوط الحمراء، وهو موقف يمكن أن يحظى بنوع من الدعم الدولي معلن وغير معلن، كما أن له آثاره وتداعياته الإيجابية على تحسين الموقف المصري في أزمة سد النهضة.

وفيما يشبه الأوركسترا، أخذت كل الأطراف تتحدث عن وقف إطلاق النار فوراً والعودة بأسرع ما يمكن لموائد التفاوض وفق "مسار برلين".لم تكن النغمة المشتركة تعبيراً عن تفاهمات حقيقية، بقدر ما كانت محاولة لالتقاط الأنفاس استبياناً لما قد يحدث تالياً على مسرح مشتعل بالنيران خشية صدام مسلح مصري تركي تفضي تبعاته إلى حرب إقليمية واسعة يصعب تحمل تداعياتها.ولم يتأخر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ووصف التدخل التركي في ليبيا، باللعبة الخطرة التي لا يمكن التساهل معها، مبدياً تفهمه للموقف المصري فيما يشبه الدعم المعلن، وردّت تركيا بتجاوزات لفظية بحق "ماكرون" كرجل يعانى اضطرابات ذهنية.

وعلينا ألا ننسى أن تهديدات السيسي أدت إلى إرباك اللاعب التركي في لحظة انتشاء عسكري، فقد أيدتها بدرجات حماس متباينة أطياف دولية وإقليمية متداخلة في الملف المتخم بالصراعات على المصالح.هكذا تصادم الحسابان المتعاكسان المصري والتركي، وتبدت اعتبارات جديدة فوق الرمال الليبية المتحركة، والمتاهة الليبية.وبقوة الحقائق فإن الاختراق العسكري التركي يحتاج إلى غطاء دبلوماسي وسياسي، وإلا فإنه قد يجد نفسه منكشفاً إستراتيجياً على مسارح قتال لا يمكن حسم معاركها بالعمل العسكري وحده بالنظر إلى اتساع خطوط القتال في بلد شاسع جغرافياً.

وبقوة الحقائق، فإن المبادرة المصرية الذي أعلنها السيسي مؤخراً لحل الأزمة الليبية بحضور المشير حفتر ورئيس برلمان طبرق عقيلة صالح، بعد سلسلة التراجعات التي منيت بها قوات حفتر في الغرب الليبي، والتي تقترح تشكيل مجلس رئاسي منتخب ووقفاً لإطلاق النار تحتاج إلى تماسك عسكري على الأرض يصحح الأوضاع الميدانية حتى لا يجد حفتر نفسه مقيداً في أي مفاوضات محتملة. وربما يحتاج أكثر لكلام من قماشة.تصريحات الرئيس السيسي، الذي تحدث لأول مرة بكل وضوح، أن سرت والجفرة خط أحمر، وطلب من الجيش المصري الاستعداد للتدخل العسكري في ليبيا، وهو نوع من السياسة وطلب المفاوضات بقوة النار التي تسارع في إنضاج الحلول ووضع الأمور على السكة الصحيحة.

  قـــد يهمــــــــك أيضــــــاُ : 

لبنان وخيار التوجّه نحو الشرق

عن محسن إبراهيم

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن المتاهة الليبية عن المتاهة الليبية



GMT 00:53 2021 الأربعاء ,13 كانون الثاني / يناير

فخامة الرئيس يكذّب فخامة الرئيس

GMT 21:01 2020 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

بايدن والسياسة الخارجية

GMT 17:00 2020 الخميس ,17 كانون الأول / ديسمبر

أخبار عن الكويت ولبنان وسورية وفلسطين

GMT 22:48 2020 الثلاثاء ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

عن أي استقلال وجّه رئيس الجمهورية رسالته؟!!

GMT 18:47 2020 الأربعاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب عدو نفسه

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 17:53 2020 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 21:09 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

يحالفك الحظ في الايام الأولى من الشهر

GMT 21:25 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 00:13 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج السرطان الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 13:47 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أجواء إيجابية لطرح مشاريع تطوير قدراتك العملية

GMT 20:36 2021 الإثنين ,08 شباط / فبراير

التفرد والعناد يؤديان حتماً إلى عواقب وخيمة

GMT 20:29 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

النوم 7 ساعات يحمي كبار السن من مرض خطير

GMT 14:59 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

عليك أن تتجنب الأنانية في التعامل مع الآخرين

GMT 14:02 2020 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 20:44 2019 الثلاثاء ,26 شباط / فبراير

الدوري السعودي يشهد إقالة 15مدربًا هذا الموسم

GMT 15:25 2016 الخميس ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

برج الثعبان.. عاطفي وحكيم وعنيف في بعض الأوقات

GMT 17:50 2018 الثلاثاء ,24 تموز / يوليو

في نسف الثّقافة..

GMT 20:11 2022 الخميس ,21 تموز / يوليو

هواوي تعلن رسميا إطلاق لاب توب Huawei MateBook 14

GMT 05:36 2021 الثلاثاء ,05 كانون الثاني / يناير

الترجي التونسي يوثق مسيرة "قلب الأسد" في ذكرى وفاته

GMT 10:18 2021 الجمعة ,29 كانون الثاني / يناير

نيويورك تايمز" تعلن الأعلى مبيعا فى أسبوع

GMT 22:21 2020 الثلاثاء ,29 كانون الأول / ديسمبر

الرفاهية والاستدامة لأجل الجمال مع غيرلان

GMT 17:31 2022 الخميس ,21 تموز / يوليو

غوغل تعرض أحدث نظارات الواقع المعزز

GMT 14:35 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

تحقيق مع موظفين بالجمارك بتهم ابتزاز مالي في مرفأ بيروت
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon