صفقة القرن تقدير موقف 22

صفقة القرن: تقدير موقف (2-2)

صفقة القرن: تقدير موقف (2-2)

 لبنان اليوم -

صفقة القرن تقدير موقف 22

بقلم : حسن خضر

أشرنا في القسم الأوّل إلى تضافر جملة عوامل إقليمية ودولية، وكيف أنجبت عالم اليوم، وكيف أوصلت الفاعلين الإقليميين والدوليين إلى ما هم فيه وعليه. كُتب القسم الأوّل قبل الإعلان عن "الصفقة" بيوم واحد. ويمكن حتى لعين كليلة أن ترصد التجليات المأساوية، والتركة المُرعبة، لكل ما ذكرنا، في مسرحية الإعلان عن "الصفقة" في البيت الأبيض.
ففي المشهد ما يُحرّض على التفكير في أن مُخرجاً سينمائياً، يتحلى بنزعة كلبية عالية، لم يكن ليعثر على تجسيد لفكرته، عن خفة التاريخ التي لا تحتمل، في مناسبة أفضل من هذه. كان في مشهد الكوميديا السوداء، تلك، ما يكفي لتجريد الأحداث التاريخية من كل مهابة مزعومة أو مُحتملة. ربما كان الأمر هكذا، دائماً، منذ وجود الإنسان على الأرض!!
ومع ذلك، فإن "الأرض المقدّسة"، التي مرّت عليها أقوام وديانات وحضارات وفتوحات وإمبراطوريات وجيوش، وتكسّرت فيها، وعليها، حراب ورايات، على مدار آلاف مؤلفة من السنين، تستحق أفضل من هذا، أو بالحد الأدنى أقل بذاءة منه.
فالمشهد يبدو وكأنه انتُزع من فيلم من أفلام الخيال العلمي، مع مسحة كوميدية فاقعة، ومع ترامب، الذي غمز بعينه مرتين على الأقل، وصافح وربّت على ظهر ضيفه الإسرائيلي ما بين جملة وأُخرى، ومع حاضرين في القاعة، من المحامين وتجّار العقارات، وبعضهم يبدو ككائنات فضائية. كان في هذا كله ما يبرهن على صدقية وصف الصعود الترامبي بـ "دايستوبيا مجتمع الفرجة في أكثر تجلياته كارثية".
ولكن، ومع كل "الفرجة"، وخفة التاريخ التي لا تُحتمل، وتصريح ترامب في كلمته الافتتاحية عن الأرض، التي "سيقرر منحها لإسرائيل"، والتي ستطيل عمر الصراع في فلسطين وعليها، وفي الشرق الأوسط، مائة عام مما تعدّون، لم تكن "الصفقة" من صنع يديه، ولا من صنع زوج ابنته، الذي تباهى بأنه قرأ 25 كتاباً (أغلبها روايات بوليسية، على الأرجح، فالسفر إلى الشرق الأوسط يستغرق ساعات طويلة)، بل كانت من صنع ضيفه الإسرائيلي.
يستدعي الكلام عن إسرائيل اليمين القومي ـ الديني، الآن وهنا، معالجة منفصلة، بالتأكيد، ولكن "الصفقة" تحمل دلالة يمكن أن تُختزل في العبارة الإنكليزية (Winner takes all)، الرابح يأخذ كل شيء. هذه الدلالة تصدر عن أمر وتتجلى في آخر، ولكنها تقود إلى نتائج مختلفة، ومتضاربة، بالضرورة.
تصدر عن إحساس بصعود القوّة الإسرائيلية في الشرق الأوسط، وما تنطوي عليه من وهم "السلام الإسرائيلي"، على غرار "السلام الروماني" والبريطاني والأميركي. وتتجلى في فرض نظام الأبارتهايد على السكّان الأصليين في غيتوهات مقطّعة الأوصال، وتقود إلى نتائج من بينها تأبيد الصراع لا حله.
الناس، عموماً، في الشرق والغرب على حد سواء، "يعبدون" القوّة، ولا شيء يفتنهم أكثر من النجاح. وقد حقق الإسرائيليون الأمرين. وهذا، مرئياً، على خلفية قلق وجودي يجتاح الكثير من النخب العربية المُهيمنة والحاكمة بعد الربيع العربي، وداعش، والحروب الأهلية، وصعود القوتين التركية والإيرانية، وضمور النفوذ الأميركي، ما يسوّغ للبعض الاحتماء بالإسرائيليين.
ومع ذلك، ومع وضع "القوّة" و"النجاح" في الحسبان، وكذلك وجود منافسين أقوياء كتركيا وإيران، إلا أن طموح فرض "السلام الإسرائيلي" في الشرق الأوسط، وعليه، يبدو تأويلاً سيئاً، ومُتسرّعاً، لدلالتي "القوة" و"النجاح". فلا التعاون الاستخباري والعسكري، والتكنولوجيا المتطوّرة، والنفوذ في واشنطن، والتجارة، و"المصالح" المشتركة، يمكن أن تكون ضمانة كافية لتعويم وتعميم سلام كهذا، لأن حماية نخب مهيمنة وسائدة تعني مناصبة شعوبها، المُطالبة بعقد اجتماعي جديد، العداء. وهذا ينفتح، للمرّة الأولى، منذ بدء الصراع الفلسطيني والعربي ـ الإسرائيلي، على إضافة عنصر جديد إلى معادلة العداء القومي.
فالمسألة لن تقتصر على تشخيص "مشكلة" الشعوب العربية مع إسرائيل بوصفها ترجمة لمشاعر قومية، وروابط تاريخية، ومُحرّضات دينية وثقافية، أو هذه الأشياء مجتمعة، بل ستُعيد الاعتبار إلى أفكار وشعارات قديمة سقطت من التداول، منذ عقود، ومفادها أن قضايا التحرر الوطني والقومي في العالم العربي واحدة، وأن إسرائيل التي كانت توصف في الماضي بوكيل للسيد الإمبريالي أصبحت الآن هي السيد نفسه الحامي للطغاة.
والمفارقة، التي لن يفشل في اكتشافها كل مطلع على تاريخ إسرائيل، الفكرة والدولة، أن آباء المشروع تصوّروا، وصوّروا، وجوده الدولة، في معرض التسويق والتسويغ، كسد للحضارة الغربية في وجه البربرية الآسيوية، ولكن خفّة التاريخ التي لا تحتمل تبني طموح تكريس "السلام الإسرائيلي" على فرضية، التحالف مع "البربرية" الآسيوية، وحمايتها، وضمان ديمومتها، وترى في الشعبويات، والقوميات الغربية البيضاء، والمسيحيين الإنجيليين حليفاً في فرض مشروع السلام.
أعرف أن كل ما تقدّم لا ينتمي، في جانب كبير منه، إلى لغة ومفردات توقعنا في القسم الأوّل أنها ستحتل المتن في كل نقاش مُحتمل لـ "الصفقة" في "اليوم التالي". وأننا ابتعدنا عن "تقدير الموقف" بمعنى معالجة، والرد على، أسئلة من نوع ما العمل.
ومع ذلك، ثمة ما يبرر ألا تغيب أشياء كهذه لتوسيع أفق السجال في موضوع "الصفقة". فالكلام عن خفة التاريخ التي لا تحتمل لا يعني الوقوع في غوايتها. ولدينا، على أي حال، أسابيع قادمة كثيرة، في سياق معالجة جوانب مختلفة، ينبغي أن تشكّل، مجتمعة، فرضية رئيسة بشأن قضية لا تقبل التصفية

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

صفقة القرن تقدير موقف 22 صفقة القرن تقدير موقف 22



GMT 00:53 2021 الأربعاء ,13 كانون الثاني / يناير

فخامة الرئيس يكذّب فخامة الرئيس

GMT 21:01 2020 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

بايدن والسياسة الخارجية

GMT 17:00 2020 الخميس ,17 كانون الأول / ديسمبر

أخبار عن الكويت ولبنان وسورية وفلسطين

GMT 22:48 2020 الثلاثاء ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

عن أي استقلال وجّه رئيس الجمهورية رسالته؟!!

GMT 18:47 2020 الأربعاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب عدو نفسه

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 21:25 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 14:33 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

بعد أن أصبح ١٨٪ من السكان عجائز وانخفضت القوى العاملة

GMT 13:05 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

تجنّب أيّ فوضى وبلبلة في محيطك

GMT 23:31 2021 الثلاثاء ,16 شباط / فبراير

تتخلص هذا اليوم من الأخطار المحدقة بك

GMT 13:33 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

يحمل إليك هذا اليوم كمّاً من النقاشات الجيدة

GMT 12:37 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

ابرز الأحداث اليوميّة

GMT 20:40 2021 الإثنين ,08 شباط / فبراير

تحقق قفزة نوعية جديدة في حياتك

GMT 16:44 2021 الإثنين ,15 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 22:12 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الجدي الأحد 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 13:42 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

يحذرك هذا اليوم من المخاطرة والمجازفة

GMT 17:00 2025 الثلاثاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

وفاة المغني الشعبي المصري إسماعيل الليثي عقب حادث سير مروع

GMT 11:54 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

سر فوائد زيت البصل للشعر وطريقة تحضيره في المنزل

GMT 23:27 2021 الثلاثاء ,16 شباط / فبراير

تجاربك السابقة في مجال العمل لم تكن جيّدة

GMT 06:51 2024 الأربعاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

نصائح لتحديد أفضل وقت لحجز رحلاتكم السياحية بسعر مناسب

GMT 07:22 2025 الخميس ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

مرسيدس تكشف النقاب عن نسختها الجديدة GLC
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon