بقلم : أمينة خيري
كتبت، أمس، عن المنظمات الأممية ومؤسسات وجمعيات وجماعات القانون الدولى وحقوق الإنسان وغيرها من الكيانات التى تجد نفسها، ونجدها فى موقف لا تحسد عليه فى ظل نظام عالمى جديد جارٍ بناؤه بسرعة وجرأة، ويقوم على أسس – إن صح التعبير- لا تمت بصلة لهذه الكيانات، ويؤسس لقواعد سياسية واقتصادية وعسكرية، وكذلك أخلاقية وثقافية جديدة.
تأسيس قواعد جديدة لا يعنى أنها أفضل أو أسوأ مما كان. هذا توصيف حالة فقط لا غير. وكما أن النظام العالمى الجديد، الذى تدور رحاه الآن فى كل مكان، سيحتاج على الأرجح شكلًا جديدًا من الكيانات الأممية، أو تغييرًا جذريًا فيها، بحيث تصبح واقعية لا خيالية، فإنه سيلقى بظلاله كذلك على القيم الأخلاقية والقواعد الثقافية للعالم، وذلك بأشكال مختلفة.
لن تستيقظ دول العالم ذات صباح وتقرر أن تغير قواعدها الأخلاقية والثقافية، ولكن ما يجرى على ظهر الكوكب سيقلب هذه القواعد رأسًا على عقب، وذلك دون قرار مسبق أو إجراء بعينه. الأخلاق والثقافة وكل ما تنطوى عليه من لغة ومفردات وقيم ومعارف وعلوم وفنون وغيرها ستتأثر بهذا النظام الجديد، بشرط استمراره.
شئنا أو أبينا، تتصل دول العالم، حتى قبل العصر الرقمى والإنترنت، اتصالًا يجعل فكرة الاستقلال الكامل أمرًا شبه مستحيل. غالبية الدول لا تتحمل، أو لا ترغب، أو لا تقوى على عزل نفسها عن بقية العالم، ومن ثم عن النظام العالمى الذى يتحكم فى الأرض.
الدولة الأقوى فى العالم حاليًا تضع قواعد تختلف تمامًا عن تلك التى ظل القائمون على أمر القوانين الدولية والقيم العالمية يرسخونها على مدار عقود طويلة. أبرز الملامح الجديدة هى انتهاء النظام الليبرالى، وتغيير كامل فى القيم والقواعد الإنسانية والحقوقية، والقوانين الدولية، مع إعادة هيكلة جيوسياسية كاملة.
حاليًا تنتظر بقية دول الأرض البلورة النهائية لما يجرى من قبل الدولة الأقوى، ويتوقع أن يعقب ذلك إعادة ترسيم أو تأكيد على مناطق النفوذ، وتوزيع الموارد، وتوازن كتل القوة. المؤكد أن دولًا مثل الصين وروسيا، وكذلك كوريا الجنوبية والهند واليابان وبريطانيا وألمانيا وغيرها تخطط لنفسها ونفوذها وسطوتها فى ضوء هذا النظام الجديد. باقى دول العالم مواقفها مختلفة، أو بالأحرى ما ستؤول إليها أوضاعها فى ظل النظام الجديد، وأقصى ما يمكن عمله هو التفكير فى سبل وأدوات لتضمن لنفسها مكانة أو قوة أو سطوة أفضل نسبيًا من جاراتها. أما شكل وتصميم وقوام وقواعد وأسس وأولويات هذا العالم الجديد، فهى لا تصنعه، فقط تصارع وتسارع من أجل أن تحجز لنفسها خانة مقبولة فى داخله.
تقبل هذا الوضع أو ترفضه، هو أمر يتعلق بك. لكنه يظل أمرًا واقعًا ونظامًا قائمًا، لحين إشعار آخر، وهذا الإشعار لا يلوح فى أفق قريب. تعتبرها فوضى أو تنظيمًا، تشجب وتندد وتطالب بالتصحيح، أو تسكت وتتابع وتقبل بالمطروح، هذا أمر متروك لك أيضًا.