الصعود السعودي منطق الدولة ومقاربة الشراكة

الصعود السعودي: منطق الدولة ومقاربة الشراكة

الصعود السعودي: منطق الدولة ومقاربة الشراكة

 لبنان اليوم -

الصعود السعودي منطق الدولة ومقاربة الشراكة

بقلم : يوسف الديني

منذ تأسيس الدولة السعودية الحديثة، ارتبط دورها الإقليمي بمنطق الدولة لا منطق الهيمنة، وبالسعي إلى احتواء الأزمات والانكسارات ومعالجة مهددات الاستقرار، أكثر من الانخراط في تأسيس مشاريع تقويضية أو فرض نماذج جاهزة. ففي أكثر اللحظات العربية والإقليمية حرجاً، مالت الرياض إلى مدّ اليد، وفتح مسارات التهدئة، والدفع نحو التسويات، حتى عندما كان ذلك مكلفاً سياسياً أو اقتصادياً، ما دام لا يمس ثوابت وطنية أو سيادية غير قابلة للمساومة. ولم يكن هذا السلوك تعبيراً عن تردد أو ضعف، بل كان انعكاساً لقناعة استراتيجية بأن الفوضى لا تُدار، وأن الصدام المفتوح لا يصنع استقراراً، بل يراكم أزمات طويلة الأمد.

ضمن هذا الإطار التاريخي، لا يُفهم الصعود السعودي بوصفه توسعاً في النفوذ أو محاولة لإعادة ترتيب الإقليم حول مركز واحد، بل بوصفه مساراً يسعى إلى إدارة التفاعل الإقليمي بطريقة أكثر استقراراً، فالسعودية تنطلق من قناعة بأن الاستقرار المستدام لا يُبنى عبر فرض نماذج سياسية أو هندسة المجتمعات من الخارج، بل من خلال تمكين الدول من الحفاظ على تماسكها الداخلي وتطوير مساراتها الخاصة وفق ظروفها الوطنية.

ولهذا، لم تُقدَّم المقاربة السعودية بوصفها بديلاً عن الآخرين أو مشروعاً لإزاحتهم، بل بوصفها إطاراً ينظّم التنافس في بيئة إقليمية شديدة التنوع سياسياً واقتصادياً وثقافياً، فقد أظهرت التجربة أن محاولات توحيد المسارات قسراً غالباً ما تُنتج مقاومة واختلالات، في حين تتيح مقاربات الشراكة والمرونة فرصاً أوسع للتكيّف والاستدامة. من هنا، ظل التركيز السعودي منصباً على منع الانهيارات الكبرى وتقليص كلفة الصراعات، لا على استثمارها أو إدارتها بوصفها أدوات نفوذ.

وتقوم هذه المقاربة على تمييز واضح بين الأمن بوصفه مصلحة جماعية لا ينبغي توظيفها في التنافس السياسي أو الاقتصادي، وبين مجالات التنمية والاقتصاد بوصفها فضاءات مفتوحة للمبادرة والتحديث، فالحفاظ على استقرار الدول، ومنع التفكك، وتأمين الممرات الحيوية، تُقدَّم في الرؤية السعودية بوصفها متطلبات أساسية لأي بيئة إقليمية قابلة للنمو، لا بوصفها أدوات ضغط أو مساومة. وفي المقابل، تُترك مجالات الاستثمار والتجارة والطاقة واللوجيستيات للتنافس المنظم وغير المسيّس، بما يقلل كلفة التوترات ويمنع انتقالها إلى مستوى يهدد الأمن أو السيادة.

ويظهر هذا النهج السعودي في سعيه إلى إعادة قدر من الوضوح للتداخل المتزايد بين الملفات الأمنية والاقتصادية الذي طبع المشهد الإقليمي خلال العقدَيْن الماضيَيْن، فبدل التعامل مع هذا التداخل بوصفه ساحة صراع مفتوح، عملت الرياض على تنظيمه ضمن أطر تسمح باستمرار التنافس الطبيعي، من دون أن يتحول إلى توترات سياسية أو صدامات مباشرة.

كما تتضح هذه المقاربة عند مقارنتها بالتصورات التي تنطلق من فكرة «إعادة تشكيل الشرق الأوسط» وفق صيغ سياسية أو أمنية جاهزة، فمثل هذه التصورات تفترض أن عدم الاستقرار نابع من بنية المجتمعات نفسها، وأن الحل يكمن في إعادة هندستها من الأعلى. غير أن تجارب السنوات الماضية أظهرت أن هذا المنطق غالباً ما قاد إلى تفكيك الدول وتدويل الصراعات، بدل بناء استقرار فعلي. في المقابل، يركز النهج السعودي على الشراكة مع الإقليم كما هو، لا على إعادة صياغته وفق نماذج مفروضة.

ويرتبط هذا التوجه بالتحول الداخلي الذي تشهده السعودية في إطار «رؤية 2030»، التي تُقدَّم بوصفها عملية تحديث تدريجي متوازن، لا قطيعة مع الهوية أو السياق الاجتماعي. هذا التوازن بين التحديث والحفاظ على التماسك الداخلي انعكس خارجياً في مقاربة أكثر قابلية للتنبؤ، وأقل ميلاً إلى تصدير التوترات أو ربط التحولات الداخلية بمشاريع إقليمية صدامية.

في المحصلة، لا يمكن فصل مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط عن فهم تراكمي لتاريخه وجغرافيته وهويته المتشابكة، فالصعود الذي يتجاهل هذه العوامل، أو يحاول القفز فوقها بإعادة تشكيل قسرية، غالباً ما ينتج اضطراباً أكثر مما ينتج نظاماً. ومن هذه الزاوية، تمكن قراءة الصعود السعودي بوصفه مساراً يسعى إلى إدارة التفاعل الإقليمي وفق أطر السيادة والمصالح الوطنية والأمن الإقليمي، بما يهدف إلى توسيع فرص التعاون من دون مصادرة طموحات الآخرين المشروعة، شريطة ألا تتحول هذه الطموحات إلى أدوات تهديد للأمن والسيادة، أو إلى امتدادات لأجندات خارجية لا تنتمي إلى السياق التاريخي والقيمي الذي تشكّلت فيه المنطقة.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الصعود السعودي منطق الدولة ومقاربة الشراكة الصعود السعودي منطق الدولة ومقاربة الشراكة



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 22:30 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

يشير هذا اليوم إلى بعض الفرص المهنية الآتية إليك

GMT 12:56 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 21:45 2020 الثلاثاء ,29 كانون الأول / ديسمبر

عائلة ليونيل ميسي تتحكم في مستقبل البرغوث مع برشلونة

GMT 14:23 2022 السبت ,12 شباط / فبراير

أفضل الفيتامينات للحفاظ على صحة شعرك

GMT 16:16 2020 السبت ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

تطورات جديدة في قضية وفاة الأسطورة "دييغو مارادونا"

GMT 21:23 2023 الخميس ,13 إبريل / نيسان

العناية بالبشرة على الطريقة الكورية

GMT 18:26 2021 الأربعاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

الحكم بسجن لوكاس هيرنانديز 6 أشهر بسبب "ضرب" زوجته

GMT 18:07 2022 الأربعاء ,01 حزيران / يونيو

ساعات أنيقة باللون الأزرق الداكن

GMT 22:38 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon