سوريا منطق الغنيمة وإكسير المواطنة

سوريا... منطق الغنيمة وإكسير المواطنة

سوريا... منطق الغنيمة وإكسير المواطنة

 لبنان اليوم -

سوريا منطق الغنيمة وإكسير المواطنة

بقلم : يوسف الديني

منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، دخلت سوريا مرحلة انتقالية صعبة، تقودها حكومة جديدة برئاسة أحمد الشرع. كان من المفترض أن تفتح هذه المرحلة الباب أمام إعادة بناء الدولة وترميم ما تهدّم من مؤسسات ومجتمع، غير أن ما تكشّف على الأرض يشير إلى ديناميكيات مختلفة تماماً؛ حيث أخذت التكوينات الطائفية والمناطقية تتحول إلى ما يُشبه القبائل السياسية، تخوض صراعاً محموماً على غنائم ما بعد النظام، لا على مشروع وطني جامع.

تُظهر الأدبيات الحديثة في الاقتصاد السياسي للنزاعات أن الحروب الأهلية لا تُخاض فقط بدوافع آيديولوجية أو تحت شعارات المظلومية، بل غالباً ما تتحوّل إلى مساحات مفتوحة للسعي وراء المكاسب، ويُعاد تعريف العنف فيها بوصفه أداة للغنيمة لا وسيلة للتحرر. وقد تفسّر ثلاث فرضيات هذا التحول: أولاها فرضية المظالم؛ حيث يؤدي التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي إلى دفع فئات معينة إلى العنف، وثانيتها فرضية الطمع التي ترى أن الفاعلين لا يتحركون بدافع الغضب فقط، بل وفق حسابات دقيقة تتعلّق بالربح والخسارة، أما ثالثتها فهي فرضية التعبئة التي تربط إمكانية الانخراط في العنف بقدرة الجماعات على التنظيم وتوفير التمويل وتقدير فرص النصر والفشل.

ما يجري في سوريا اليوم يبدو أقرب إلى تطبيق حي لهذه النظريات؛ فبعد انهيار المؤسسات الأمنية التقليدية، نشأت على أنقاضها تشكيلات مسلحة ترتبط بانتماءات طائفية وقبلية ومناطقية، وانخرطت لاحقاً في «التهجين الأمني» عبر انضمامها الشكلي إلى أجهزة الدولة الجديدة دون أن تنصاع فعلياً لها. كل واحد من هذه التشكيلات بات يتصرف بصفته قبيلة سياسية تسعى إلى تثبيت سيطرتها على قطعة من الكيان السوري، وتحكمها بمنطق الغنيمة. وقد تحولت مساحات الدولة إلى مجالات نفوذ، تتقاسمها هذه القبائل على أساس القوة والتفاهمات الظرفية، لا وفق دستور أو عقد وطني.

في هذا السياق، لم يعد العنف مجرد أداة لتحقيق أهداف سياسية، بل أصبح مشروعاً مستمراً يدرّ الغنائم. تتلقّى بعض التشكيلات رواتب من الدولة أو من رعاة إقليميين، في حين تعتمد أخرى على موارد بديلة من خلال التهريب، والخطف، وفرض الإتاوات، والسيطرة على المعابر والثروات. تتسابق هذه التشكيلات على نهب الأملاك العامة والخاصة، واحتلال مقرات الدولة، ومصادرة ممتلكات المهجّرين، وتحتكر السلع المدعومة، وتتاجر بالوقود والقمح كأنها موارد لقبائل في صحراء مفتوحة.

تدريجياً، أخذت هذه الحالة تكرّس ما يُشبه الاقتصاد الرمزي للغنيمة؛ حيث لا يصبح الهدف من السيطرة هو الحكم أو الإصلاح، بل الحفاظ على موقع يسمح بمراكمة النفوذ والثروة. ومع غياب سلطة مركزية رادعة، تفقد الدولة قدرتها على احتكار الإكراه المشروع، وتتآكل سيادتها لمصلحة هذه التكوينات القبلية التي باتت تفرض أنظمة محلية موازية، وتمارس الحكم على المجتمعات بقوة السلاح لا الشرعية.

إن أخطر ما في هذا التحول أن الغنيمة أصبحت بديلاً عن السياسة، والنهب بديلاً عن التمثيل، والاستيلاء بديلاً عن المفاوضة. لا عجب إذن أن تفشل كل مبادرات المصالحة؛ لأن تكلفة السلام لدى هذه القوى أعلى من تكلفة استمرار النزاع، ومردود الحرب يفوق ما قد يُنتج من أي تسوية. الحالة الرمادية التي تعيشها سوريا اليوم ليست سوى انعكاس لهذه المعادلة: لا حرب شاملة، ولا سلام فعلياً، بل إدارة ذكية للنزاع تحفظ التوازن بين القبائل المتصارعة وتضمن استمرار تدفق الغنائم.

وأمام هذا الواقع، لا يمكن الحديث عن مشروع وطني دون تفكيك نظام الغنائم الجديد، ولا عن استقرار دون إعادة بناء الدولة على أسس السيادة والمؤسساتية والمواطنة. وإذا لم يتم كسر منطق الغنيمة، وتجفيف مصادر تمويل هذه الكيانات المسلحة، وإعادة احتكار الدولة للعنف والإدارة والثروة، فإن سوريا ستظل رهينة لعصبية القبيلة السياسية، تتقاسمها الميليشيات كما تتقاسم الصحراء مواردها المتنازَع عليها. إن إعادة التوازن في سوريا لا تتطلّب فقط إصلاحات سياسية، بل مواجهة جذرية لمنظومة الغنيمة التي تُغذّي استمرار الفوضى وتحول دون قيام الدولة، وهنا يجب أن تتدخل القوى التي تريد الخير لسوريا موحدة، وعلى رأسها السعودية، بدعم من دول الاعتدال والمجتمع الدولي والقلقين من الفوضى لقطع الطريق على ذرائع إسرائيل.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سوريا منطق الغنيمة وإكسير المواطنة سوريا منطق الغنيمة وإكسير المواطنة



GMT 06:37 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

لا تنسوا غزة !

GMT 06:36 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

تنظيم الفوضى

GMT 06:34 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

أقمْ عليهم مأتماً وعويلاً

GMT 06:33 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

على هامش عمليّة كراكاس...

GMT 06:31 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

فنزويلا... عام ترمب بدأ مُزَلزِلا

GMT 06:30 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

الأزمة اليمنية

GMT 06:27 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

فنزويلا ــ الكاريبي... واستراتيجية البحار السبعة

GMT 06:26 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

الشرق الأوسط: عام التساؤلات بين الصراعات والتسويات

نادين نسيب نجيم تتألق بإطلالات لافتة في عام 2025

بيروت ـ لبنان اليوم

GMT 20:56 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

نجوى إبراهيم تواجه انتكاسة صحية مفاجئة بعد حادثتها في الخارج
 لبنان اليوم - نجوى إبراهيم تواجه انتكاسة صحية مفاجئة بعد حادثتها في الخارج

GMT 21:46 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

شهيد وجريح في عدوان متجدد للاحتلال على لبنان
 لبنان اليوم - شهيد وجريح في عدوان متجدد للاحتلال على لبنان

GMT 13:52 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الميزان الأحد 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 13:32 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

تجاربك السابقة في مجال العمل لم تكن جيدة

GMT 14:05 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

تتخلص هذا اليوم من بعض القلق

GMT 19:14 2020 السبت ,29 آب / أغسطس

من شعر العرب - جرير

GMT 14:58 2021 الثلاثاء ,14 كانون الأول / ديسمبر

هيفاء وهبي تضج أنوثة بملابس كاجوال ناعمة

GMT 13:25 2022 الخميس ,02 حزيران / يونيو

طرق لإضافة اللون الأزرق لديكور غرفة النوم

GMT 22:19 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الحوت الأحد 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 15:24 2021 الإثنين ,25 كانون الثاني / يناير

نادي فناربخشة التركي يعلن رسميًا ضم مسعود أوزيل

GMT 11:15 2022 الإثنين ,18 تموز / يوليو

خطوات بسيطة لتنسيق إطلالة أنيقة بسهولة

GMT 17:45 2014 الأحد ,13 إبريل / نيسان

أُجسِّد دور شاب عصامي في "الأخوة"

GMT 03:39 2017 الأحد ,29 كانون الثاني / يناير

قبرص رفاهية المتعة وعبق التاريخ في مكان واحد
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon