السلطة اللبنانية وتحدي الخيارات القاتلة

السلطة اللبنانية وتحدي الخيارات القاتلة!

السلطة اللبنانية وتحدي الخيارات القاتلة!

 لبنان اليوم -

السلطة اللبنانية وتحدي الخيارات القاتلة

بقلم:حنا صالح

منتصف عام 1964 كان الرئيس فؤاد شهاب يعد الأيام المتبقية له في رئاسة الجمهورية، عندما زاره نواب «النهج»، وعددهم يقارب ثلثي البرلمان، لإبلاغه اعتزامهم تعديل الدستور لانتخابه رئيساً لولاية ثانية. استمع شهاب إلى الأسباب الموجبة لهذا التوجه لكنه رفض العرض. ثقته بالطبقة السياسية الطائفية كانت قد انعدمت فاستخدم في وصفها الكلمة الفرنسية Fromagistes أي «أكلة الجبنة». وكان يعاين كيفية تجويف الإصلاحات واقتطاع المتنفذين حصصاً لهم في الدولة ومؤسساتها.

استندت التجربة الشهابية إلى رؤية بعثة «إيرفد»، لتطلق موجة إصلاحية بين عناوينها: تقوية الدولة، خلق الفرص ومناخ التنافس الذي يقدم الكفاءات، العمل التنموي للحدِّ من تهميش الأطراف واعتماد الشفافية وترسيخ المساءلة والمحاسبة. واعتمدت التجربة على «تحالف» وجوه سياسية بينها تكنوقراط مع ضباط نالوا ثقة اللواء في تجربته بناء الجيش وحماية الجمهورية. وإلى اليوم يمكن التأكيد أن التجربة التي استحدثت قبل أكثر من 60 سنة ما زالت رغم التشويه تختزل الكثير من العناوين الإصلاحية الجدية.

شهاب الذي غادر الرئاسة إلى العزلة حتى وفاته، لم يكشف موانع اكتمال التجربة، رغم قدرته على الاستشراف. لقد هبطت تلك التجربة على الناس من دون تحضير مناخ شعبي دافع للإصلاح. وعلى مدى عقود استمرت أطراف الطبقة السياسية، لا سيما بعد الحرب الأهلية واتفاق الطائف، تطرح في كل موسمٍ انتخابي عناوين الإصلاح، لتحقيق مزيد من الاستئثار ولتتراجع على الفور عن وعودها.

غير أن الانهيار المالي الاقتصادي المبرمج عام 2019 الذي أشعل «ثورة تشرين»، أماط اللثام عن أدوار التحالف المافياوي في النهب العام وإفقار البلد وتجويع اللبنانيين الذين سُلبوا جنى أعمارهم فطرحت بقوة الإصلاحات الجدية. ضاعف هذا الطرح حرب «الإسناد» التي دمرت البلد واستدرجت الاحتلال مجدداً وأبرزت ثنائية لا مناص منها: جمع السلاح بيد القوى الشرعية وتنفيذ الإصلاح. وتأكد أن لا سبيل للبنان للتعافي من دون بسط سيادة كاملة من دون شريك واستعادة الدولة لسيادتها المالية والاقتصادية.

بعد اتفاق وقف النار قبل نحو 7 أشهر، والذي تضمن تنصيصا دقيقا لخطوات تنفيذية آيلة لسحب السلاح اللاشرعي، وحظي مسبقاً بموافقة الثنائي «حزب الله» و«حركة أمل»، تضافرت عناصر خارجية ومعطيات داخلية أوصلت العماد جوزيف عون إلى الرئاسة لتُطوى صفحة الشغور الطويل، وأدى «تسونامي» شعبي حفّزه أداء نواب التغيير، إلى حمل القاضي نواف سلام إلى رئاسة الحكومة ليطوى الفراغ في السلطة التنفيذية. كان واضحاً البرنامج والأولويات فالبلد لا يملك ترف الوقت: تنفيذ وقف النار ومحوره لا سلاح خارج الدولة ليكون ممكناً خوض مواجهة دبلوماسية لتحرير الأرض، وبدء إصلاحات سياسية اقتصادية، لا يمكن تجاوزها للحصول على دعم هو الفرصة لتحويل الهزيمة التي لحقت بلبنان إلى أبرز عناصر النجاح باستعادة الدولة واستعادة الكفاءات وكسر الدوامة القاتلة.

الممر الحقيقي للتعافي إلى جانب بسط السيادة، يفترض تفكيك سيطرة القوى الطائفية، الممسكة بالمرافق والمؤسسات، المسؤولة عن تجويف الدولة. هذا الأمر الذي لاحظ بدايته فؤاد شهاب تعمق بعد الحرب الأهلية وقانون العفو عن جرائم الحرب واستئثار الطبقة السياسية بمقدرات الدولة ودورها في نهب الودائع. والمفترض أن المسار معروف وهو العودة إلى اتفاق الطائف والدستور للحد من زمن «أكلة الجبنة». لكن على ارض الواقع عاد «حزب الله» إلى سرديات السلاح والمقاومة، فيما بدلت الحرب الإسرائيلية - الإيرانية كل المشهد وانتفت الوظيفة الأساسية لهذا السلاح، وبقاؤه طعن للسيادة وتغذية للفوضى وتغطية للتجاوزات. وتوازياً كانت التعيينات الإدارية تخضع لنهج التحاصص الطائفي الذي أورث البلد كل هذه الكوارث!

الخيارات القاتلة للنهوض تتقدم ويتراجع الرهان على أن لبنان دخل مدار التغيير. تجميد ملف جمع السلاح وتردد في الإصلاح، ويتساءل وزير الثقافة غسان سلامة: «كيف نواجه القوى التي ملأت فراغ الدولة؟» وكيف يمكن تفتيت القوى غير الشرعية التي استولت على مفاصل البلد، بحيث «في كل قطاع هناك ما يشبه عصابة منظمة تدير الأمور وتتحكم فيها»؟ مهم طرح الأسئلة، لكن الوزير مطالب بتقديم الإجابات والعلاج، ولا يعفيه من مسؤوليته طرحه للتساؤلات وهو المدرك أن المخاطر متأتية من السلاح والتحاصص الطائفي.

تعرف السلطة التنفيذية، التي استهلكت سريعاً أوسع تأييد شعبي، أن إعادة تكوين السلطة على مقاس مصالح القوى الطائفية وتعزيز نظام المحاصصة، تبقي البلد في المستنقع. فرسالة تجديد المحاصصة تعني حماية لمن تسلط على الإدارة والقرار وتماثل قوى «الجريمة المنظمة». والخطير أن هذا المنحى عشية الانتخابات العامة يشكل دعماً غير مسبوق لهذه القوى، وفي مقدمها «حزب الله»، لتجديد استئثارها وانتزاع غلبة سياسية على الناس الموجوعة. تراجعت الرهانات التي تجددت بعد 60 سنة على التجربة الشهابية بأن الإصلاح ممكن من فوق لتفتح معه طريق الحداثة والتجديد، فيما الحصيلة الباقية تعطيل قيام الدولة وتشويه الإصلاح وعدم إعادة الحقوق وتعميق الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السلطة اللبنانية وتحدي الخيارات القاتلة السلطة اللبنانية وتحدي الخيارات القاتلة



GMT 05:57 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

رفعت الأسد… الأوّل في الدّولة المتوحّشة

GMT 05:55 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

سرُّ حياتهم

GMT 05:52 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

المعاون الأنيس للسيد الرئيس

GMT 05:50 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

كرة الثلج الأسترالية والسوشيال ميديا

GMT 05:49 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

أزمة غرينلاند وتفريغ السيادة

GMT 05:47 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

نظرية «المشكلات الشرسة» في التنمية

GMT 05:44 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

أشباح وأرواح يوسف شاهين

GMT 05:42 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

وأخيرا استجابت الهيئة..لا للأحزاب الدينية

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 17:22 2021 الجمعة ,23 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 21:23 2023 الخميس ,13 إبريل / نيسان

العناية بالبشرة على الطريقة الكورية

GMT 05:55 2022 الخميس ,21 تموز / يوليو

هزة أرضية قوية تضرب وهران الجزائرية

GMT 20:22 2022 الأحد ,20 شباط / فبراير

نوال الزغبي تشوق الجمهور لأغنيتها الجديدة

GMT 12:03 2021 الخميس ,21 كانون الثاني / يناير

تعرف على تقنية "BMW" الجديدة لمالكي هواتف "آيفون"

GMT 20:49 2021 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

التكنولوجيا تحدّد أهداف برادا في حملة ربيع وصيف 2021

GMT 09:28 2024 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

الحوت والحمل والأسد من الأبراج الأكثر سعادة

GMT 22:55 2018 الثلاثاء ,03 تموز / يوليو

كيف تعالج مشكلة قضم الأظافر عند الأطفال؟

GMT 04:51 2020 الأربعاء ,09 كانون الأول / ديسمبر

"قلعة الجاهلي" رحلة شيقة في تاريخ الإمارات الأصيل

GMT 11:10 2020 الأحد ,27 أيلول / سبتمبر

ليلى علوي بإطلالة صيفية في أحدث جلسة تصوير
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon