الأحزاب الأصولية ودعايات التمدّن

الأحزاب الأصولية ودعايات التمدّن

الأحزاب الأصولية ودعايات التمدّن

 لبنان اليوم -

الأحزاب الأصولية ودعايات التمدّن

بقلم : فهد سليمان الشقيران

مع كل موجةِ تحوّل يشيع توليد اشتقاقاتٍ لغوية بغية إنقاذ الأصوليين المتضررين من طوفان الحدَث أياً كان. هي حيلةٌ ماكرة تساهم فيها دول يطيب لها تعافي الأحزاب الأصولية من كبواتها، لتستعيد استعمالها ويدور في فلكها مراكز أبحاثٍ ومنصات متلفزة، وحسابات سوشيالية، والهدف الأساسي طأطأة الرأس أمام الريح الصرصر العاتية، ومن ثم معاودة النهوض لممارسة العمل الميداني العملي الآيديولوجي القديم.

تلك شنشنةٌ نعرفها من أخزم. الآن تعود هذه الحيلة الرديئة إلى المشهد ولكن بنسخةٍ ضعيفة، ثمة محاضرات وكتابات تتحدث عن إمكانيّة تأقلم الإخوان مع الدول التنموية والقيام بمراجعاتٍ معيّنة! والبعض الآخر يرى لـ«حزب الله» مستقبلاً مدنياً للمشاركة في السلطة ومن ثم التنمية وإعادة الإعمار!

وهذه المقولات الشعبية علاوة على مكرها، فهي تعبّر عن جهلٍ في أدبيات الإسلام السياسي، وفي أصول آيديولوجيتهم العنفية. الخلاف بين الحزب الأصولي والآخر المدني ليس على برامج عمل، أو قانون انتخاب، أو أولوية مشروع، الخلاف أعمق من ذلك بكثير.

الحزب المدني يؤمن بالدولة ومشروعيتها وقوانينها ودستورها وجيشها وقضائها وكل مؤسساتها. الحزب الأصولي يؤمن بمفاهيم وخرافاتٍ وأحلامٍ وأوهام. مجرد حلم يراه في المنام يفسره في النهار ليُطبق على مصير أمةٍ ومجتمعٍ وشعب، ولربما بدأ أحدهم حرباً بعد حلمٍ رآه في قيلولة!

الحزب المدني يؤمن بالحياة والتنمية، ويعترف بالدنيا. الأصولي يحارب الحياة ويشيع ثقافة الانتحار والموت. الحزب المدني يعترف بالعلم لا الخرافة، بالقانون، لا القنبلة والسيف والصاروخ وإسقاط الطائرات وحرق السفارات.

من هنا أذكّر بما كتبه الأستاذ يوسف الديني في مقالةٍ بهذه الجريدة بعنوان«(الإخوان): بيان على حافة القفز من القارب». الديني حلل البيان الأخير لجماعة «الإخوان المسلمين» في سوريا، الصادر عقب اجتماع مجلس شورى الجماعة في 7 أغسطس (آب). رأى أنه: «وفي المشهد الأوسع، فإن خطوة (الإخوان) الأخيرة ليست استثناءً في سلوك الإسلام السياسي، الذي اعتاد تاريخياً استغلال اللحظات السياسية الحرجة للقفز على المراحل، وتوظيف الأزمات لإعادة التموضع». يضيف: «التحول نحو دولة راشدة ليس مساراً تلقائياً، بل يحتاج إلى قرارات شجاعة، وأخذ زمام المبادرة، والانتقال الحقيقي من ذهنية الثورة إلى عقلانية الدولة؛ حيث تغلب مؤسسات الحكم، وسيادة القانون، والمصلحة الوطنية الجامعة، على نزعات المغالبة، واستبدال المشاركة وبناء هوية وطنية جامعة بها».

هذا يصحّ على فروع «الإخوان» ونسخها وأذرعها في كل مكان. رأينا ارتباكهم وبخاصةٍ في أوروبا وأميركا بعد أن كشف السيناتور كروز عن مشروع قانون لتصنيف «الإخوان» منظمة إرهابية. إذ يُلزم مشروع القانون الجديد «وزير الخارجية بتصنيف فروع (الإخوان المسلمين) المصنفة كجماعات إرهابية، وتصنيف فروع إضافية تستوفي المعايير ذات الصلة، ويفرض تصنيف جماعة (الإخوان المسلمين) العالمية لدعمها تلك الجماعات الإرهابية».

الضربات التي تلقتْها جماعة «الإخوان» بأذرعها وفروعها خلال السنتين كانت أساسيّة للجْم الجماعة ميدانياً، ومن ثم البناء على ذلك لتقييد فاعليتها الاجتماعية، ومنع نفوذها السياسي، وتجريمها قانونياً في الإقليم والعالم. فرصة سانحة للعالم أن يجعل البشرية أكثر أماناً وأن يقتلع هذه النبتة السيئة التي وعى الكبار خطرها في وقتٍ مبكر.

كذلك الأمر بالنسبة لـ«حزب الله» الذي يهدد أو يستعد لخوض حربٍ أهلية ضد الطوائف الأخرى المسيحية والإسلامية في لبنان، وذلك بعد أن أعلن أمينه العام للبنانيين عن «نهاية الحياة» في لبنان، وأن المعادلة كالتالي: «إما أن يبقى (حزب الله) ويبقى لبنان، أو أن ينتهي (حزب الله) ولبنان معاً».

السؤال: أي تمدين ينتظر من هذه الآيديولوجية الكارثية الشمولية؟!

الخلاصة أن التجربة التاريخية مع الأصوليّة تؤكد لنا أن هذه الأحزاب ماكرة؛ لديها قدرة على التأقلم واختيار التوقيت للانقضاض، وعليه فإن الوعيَ بمحاولات ضخّ خطابات التمدين أو التصحيح أو المراجعات ضروري؛ لئلا نلدغ من الجحر مرتين.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأحزاب الأصولية ودعايات التمدّن الأحزاب الأصولية ودعايات التمدّن



GMT 23:41 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

خواطر السَّنة الفارطة... عرب ومسلمون

GMT 23:40 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

مرّة أخرى... افتراءات على الأردن

GMT 23:38 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

“أبو عمر”… سوسيولوجيا بُنية التّبعيّة

GMT 23:37 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

الأحزاب وديوان المحاسبة.. مخالفات بالجملة!

GMT 23:36 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

في وداعِ الصَّديق محمد الشافعي

GMT 23:35 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

من السودان إلى باب المندب: خريطة الصراع واحدة

GMT 23:33 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

عام الفطام عن أميركا

GMT 23:32 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

ليبيا: حربٌ متواصلة ضد الذاكرة التاريخية

نادين نسيب نجيم تتألق بإطلالات لافتة في عام 2025

بيروت ـ لبنان اليوم

GMT 23:58 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

زيلينسكي يؤكد أن اتفاق السلام مع روسيا بات جاهزا بنسبة 90%
 لبنان اليوم - زيلينسكي يؤكد أن اتفاق السلام مع روسيا بات جاهزا بنسبة 90%

GMT 07:42 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

ابتكار طريقة لعلاج أنواع نادرة من السرطان
 لبنان اليوم - ابتكار طريقة لعلاج أنواع نادرة من السرطان

GMT 16:44 2021 الإثنين ,15 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 13:20 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

ما كنت تتوقعه من الشريك لن يتحقق مئة في المئة

GMT 21:45 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 13:53 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 13:10 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

الضحك والمرح هما من أهم وسائل العيش لحياة أطول

GMT 14:02 2020 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:36 2025 الثلاثاء ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

إطلالات النجمات تخطف الأضواء في حفل Fashion Trust Arabia 2025

GMT 12:09 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

يسود الوفاق أجواء الأسبوع الاول من الشهر

GMT 19:11 2022 الثلاثاء ,05 إبريل / نيسان

إطلالات رمضانية مُستوحاة من هند صبري

GMT 22:14 2015 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

معهد المخطوطات العربية يصدر كتاب "متشابه القرآن"

GMT 13:59 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 21:57 2020 الأربعاء ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

نبيل معلول يعتذر للشعب السوري ويحسم مستقبله

GMT 10:05 2013 الأربعاء ,02 كانون الثاني / يناير

"بلاك نايت RX-8" النسخة الوحيدة في العالم

GMT 17:44 2019 الجمعة ,04 كانون الثاني / يناير

الميموني يعود مجددًا للمغرب التطواني
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon