النظريّة الاقتصادية أساس الحيويّة السياسية

النظريّة الاقتصادية أساس الحيويّة السياسية

النظريّة الاقتصادية أساس الحيويّة السياسية

 لبنان اليوم -

النظريّة الاقتصادية أساس الحيويّة السياسية

بقلم : فهد سليمان الشقيران

لم يكن التحدي الاقتصادي لدى بعض دول الإقليم إلا نتيجة للفشل في مسارَيْن؛ وهما قوّة الإدارة والإرادة، ومن ثمّ ضعف التشخيص للإشكال وعدم ابتكار الرؤية الحاذقة.

إن الدول التي وضعت خططها ورؤاها لنصف قرنٍ قادم هي الأقدر على تجاوز كل ذلك التحدي الاقتصادي المخيف. وما كانت رؤية الأمير محمد بن سلمان لمستقبل شعبه وبلاده إلا تعبيراً عن ضرورة مضارعة التاريخ والانتصار على تحديات المستقبل. أثبتت التجربة بعد بضع سنين أن هذا التفكير الرؤيوي هو الحامي والحارس من انفجارات المنطقة وأزماتها الكارثية... إنها أفكار الاقتصاد الحيويّة.

طوال القرن العشرين تغلَّبَ الخطاب الآيديولوجي على نظريات الاقتصاد وأفكار التنمية. يخطب بعض الزعماء، آنذاك، لساعاتٍ أمام شعوبهم عن الشرق والغرب من دون ذكر تغيير واقع دولهم المنهارةِ ولو بحرفٍ واحد. خطابات وحدويّة آيديولوجية جلفة لم تقدّم ولم تؤخر. دورة التاريخ التي لا تمزح بيّنت لكل الدول الحاليّة المضطربة أن رؤى دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات والبحرين، هي التي تستطيع أن تغيّر مسار الرحلة نحو برّ الأمان.

كان الفيلسوف ماكس فيبر يعدّ التطوّر الاقتصادي هو البوصلة لتغيير أي فكرة اجتماعية أو سياسية أو دينية. فالموضع الذي انطلق منه وإن كان ضمن علوم الاجتماع، غير أنه وضع الاقتصاد هو الأساس لأي تغيير فكري واجتماعي؛ فهو يرى أن الرأسمالية ليست مجرد التلهف للربح والفائدة، وإنما أيضاً السيادة عن طريق التنظير العقلي.

نعم ثمة انتماء بل عصب للرأسمالية بالتغيير الثقافي والاجتماعي بالعالم. وفيبر تمتد جذوره إلى أجداد لهم باع في الصناعة، وهم من البروتستانت. عاش في وسط بيت سياسي، فوالده مستشار في مجلس مدينة برلين، ثم غدا عضواً في مجلس النواب البروسي، وصولاً إلى عضويته بمجلس نواب ألمانيا (الرايشستاغ).

صحيح أنه تأثر بصراعات عصره، وتقلّب بين ماركس ونيتشه، ولكنه أسّس لاحقاً منهجاً في التحليل والنقد والفحص والمساءلة لم يسبق إليه، وهي الآلية «الفيبرية» التي اختص بها، على النحو الذي نراه جلياً في كتبه الكثيرة التي تُعدّ مرجعاً عالمياً في علم الاجتماع بشتى مجالاته، في التعليم والقانون، والعنف، والدولة، والسياسة، والاقتصاد، والموسيقى.

لماذا أستعيد ماكس فيبر؟!

لأن نظريته نشأت من عمق التوتير حول الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، وهو عنوان كتابه المهم الذي ينتهي في محصلته إلى أن ثمة توترات بين سلوك رجال الأعمال البروتستانتي، غير أن زهده وخلقه ودينه لا تعترض على أن يستخدم أمواله للاستمتاع الشخصي، بالإضافة إلى أن «الرسالة» تدعوه إلى مضاعفة أمواله، وخلاصة قوله إن الرأسمالية وليدة «الأخلاق» البروتستانتية ضمن الأدوار المنوطة في فحوى الرسالة البروتستانتية وأخلاقياتها ومحفزات الفاعل الاقتصادي من خلال رسالتها ضمن التاريخ الطويل.

كانت هذه مهمته بوصفه سوسيولوجياً. يقول: «إن السوسيولوجي مهمته أن يعثر داخل الأفعال الاجتماعية على ما هو عام من جهة، وعما هو خاص من جهة أخرى»، وذلك بالتعمق في رصد الروابط والعلاقات.

إن كل تفوّق وتقدّم اقتصادي يقود بالضرورة نحو تغيير اجتماعي وفكري، أزمة الإقليم منذ قرنٍ من الزمان أن الأفكار الآيديولوجية و«البعثية» والناصرية و«الإخوانية» هي ما كان يحرّك المؤسسات. لقد وضعوا العربة قبل الحصان، وهذا ينمّ عن ذروة الفقر الرؤيوي.

الخلاصة؛ إن الاقتصاد هو أساس كل شيء، وبوصلة نهوض أي دولةٍ لا يمكن أن تتم من دون جعل الاقتصاد هو الأساس، ومن ثمّ تأتي كل المجالات الأخرى بمنزلةِ لاحق. إن اللوذ بالأفكار القديمة، أو النظريات اليسارية، والشعارات التقدمية صار جزءاً من تاريخ المنطقة الأسود.

الآن من ينجح في الاقتصاد حتماً سوف يحقّق كل شيء، وسينتصر في كل شيء، وآية ذلك أن التجربة الحديثة في نصف القرن المنصرم لدول الخليج أثبتت تفوّقها بسبب هذه الفكرة التي كان بعض العرب ينتقدون الخليجيين فيها، وهم الآن يركضون نحو نماذجها، إنهم كما قال دريد بن الصمّة: «لم يستبينوا النصحَ إلا ضُحى الغدِ».

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

النظريّة الاقتصادية أساس الحيويّة السياسية النظريّة الاقتصادية أساس الحيويّة السياسية



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 21:25 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 14:33 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

بعد أن أصبح ١٨٪ من السكان عجائز وانخفضت القوى العاملة

GMT 13:05 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

تجنّب أيّ فوضى وبلبلة في محيطك

GMT 23:31 2021 الثلاثاء ,16 شباط / فبراير

تتخلص هذا اليوم من الأخطار المحدقة بك

GMT 13:33 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

يحمل إليك هذا اليوم كمّاً من النقاشات الجيدة

GMT 12:37 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

ابرز الأحداث اليوميّة

GMT 20:40 2021 الإثنين ,08 شباط / فبراير

تحقق قفزة نوعية جديدة في حياتك

GMT 16:44 2021 الإثنين ,15 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 22:12 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الجدي الأحد 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 13:42 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

يحذرك هذا اليوم من المخاطرة والمجازفة

GMT 17:00 2025 الثلاثاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

وفاة المغني الشعبي المصري إسماعيل الليثي عقب حادث سير مروع

GMT 11:54 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

سر فوائد زيت البصل للشعر وطريقة تحضيره في المنزل

GMT 23:27 2021 الثلاثاء ,16 شباط / فبراير

تجاربك السابقة في مجال العمل لم تكن جيّدة

GMT 06:51 2024 الأربعاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

نصائح لتحديد أفضل وقت لحجز رحلاتكم السياحية بسعر مناسب

GMT 07:22 2025 الخميس ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

مرسيدس تكشف النقاب عن نسختها الجديدة GLC
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon