حول التجربة الليبية مع الجماعات الأصولية

حول التجربة الليبية مع الجماعات الأصولية

حول التجربة الليبية مع الجماعات الأصولية

 لبنان اليوم -

حول التجربة الليبية مع الجماعات الأصولية

بقلم : فهد سليمان الشقيران

مرّ زمنٌ طويل لم تُدرس فيه الحركة الأصولية في ليبيا بالشَّكل المطلوب. سنوات من الارتباك بالتعامل معها؛ تارة بالتَّعتيم على أنشطتها، وتارات أخرى بالتصالح معها وامتطائها سياسياً بغية الكسب الشعبي، لاحقاً بانت خطورتها، وظهر أثرها الكارثي الذي تعيشه ليبيا الآن.

علّمنا التاريخ أنَّ هذه الجماعات تعتاش على تحالف الآيديولوجيا مع الأفكار القبلية والنعرات العنصرية، من هنا تبدأ الإشكالية الكبرى خصوصاً في التأجيج المجتمعي، بغية تغيير الجغرافيا والتأثير على المسار السياسي.

هذه هي طبيعة الحركات الأصولية التي تنتهج هذا الأسلوب خصوصاً في مجتمع قبليّ مثل ليبيا؛ إذ تتخذ هذه الجماعات المارقة من القبائلية رافعة لها من أجل التغذّي على المدد المعنوي واللعب على أوتارٍ حساسة يمكنها أن تُطيل من قدراتها الحركيّة والسياسية والاجتماعية والمالية.

لذلك سعدتُ بقراءة كتاب: «ليبيا ما بعد الكرامة: الإسلام السياسي والقبيلة الحدودية وسلاح التدين الإداري»، الصادر قبل أيام عن مركز المسبار للدراسات والبحوث.

افتُتح الكتاب بدراسة قدّمها الباحث الليبي عبد القادر أرحيم عن تنظيمي «داعش» و«القاعدة» في ليبيا، مشيراً إلى أن ظهور «داعش» وتوسعه بدءاً من أبريل (نيسان) 2014 شكَّل تحوّلاً استراتيجياً، إذ انتقل التنظيم من مجرد واجهة رمزية إلى كيان عسكري وإداري فعليّ، بلغ ذروته بالسيطرة على مدينة سرت وإعلانها عاصمة لـ«ولاية برقة»، محاكياً نموذج «الخلافة» المزعومة في العراق وسوريا.

الباحث الجزائري حكيم غريب تناول موضوع جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا متتبّعاً مسارها السياسي والتنظيمي؛ إذ صعدت إلى الواجهة بعد 2011، واستغلّت هشاشة الدولة والصراع المسلح لبسط نفوذها على مراكز اتخاذ القرار عبر أدوات سياسية وإعلامية وعسكرية. وأسَّست حزب العدالة والبناء؛ خاضت به انتخابات يوليو (تمّوز) 2012، ثم أثّرت في المؤتمر الوطني العام (البرلمان المؤقت آنذاك). إلى أنْ اندلع الصراع بين حكومتَي الشرق والغرب عام 2014، ومع دخول ليبيا مرحلة وقف إطلاق النار وتشكيل حكومة الوحدة في 2020 أعادت الجماعة موضعة ذاتها، فزعمت حلّ جماعة الإخوان! وتحويلها إلى جمعية الإحياء والتجديد في يونيو (حزيران) 2021؛ لترسيخ تحالفات الحماية، ودعم صلاتها الإقليميّة.

الباحث ماهر فرغلي تناول سيرة وتحوّلات عبد الحكيم بلحاج، بوصفه نموذجاً حياً لتقاطع العمل العسكري والطموح السياسي في السياق الإسلاموي الليبي. يبدأ الباحث عرض خلفية بلحاج الفكرية والتنظيمية الذي شارك في تأسيس تنظيم الجماعة الليبية المقاتلة، وسافر أواخر الثمانينيات إلى أفغانستان للتدرب والقتال ضد السوفيات. وبعد عودته مطلع التسعينات، قاد تمرداً مسلَّحاً ضد النظام، قبل أن يُعتقل ويقضي سنوات في سجون القذافي حيث أعلن مراجعة فكرية زعمت فك الارتباط بالعنف. غير أن الدراسة توضح أنّ مراجعات بلحاج بدت وكأنها إعادة تموضع تكتيكية.

بيد أن فكرة انتقال العنف الجهادوي إلى السياسة لا تعدو العودة إلى المربع الإخواني الصرف! وهو المربع الذي يحظى بدعم من محور إقليمي؛ غطَّته دراسة الباحثة فاطمة الزهرة مسعودي التي لاحظت ارتباط التيار بالمنطقة الغربية.

ولفهم خريطة التيارات الدينية، كتب إبراهيم بلقاسم، مُسلّطاً الضوء على ظاهرة تمدّد التيار المدخلي خلال السنوات التي أعقبت سقوط القذافي. ينطلق الباحث من تتبع تاريخي لبروز «المدخلية» في ليبيا، موضّحاً أنّ هذا التيار ذا المرجعية المحافظة الموالية ظهر بشكل غير بارز قبل 2011، ويبوّب بذلك إنشاء كتيبة «سبل السلام»، التي انتشرت حتى منطقة الكفرة وما حولها، متأمّلاً تزاوج الولاء القبلي والعقيدة السلفية، ومبيّناً أنّها مثَّلت خلطةً نافعة للجيش الوطني لأنها صبّت في توجه، جعل الكتيبة ضمن هيكله الأمني، مما عزَّز نفوذ المدخليين في الجنوب.

تُختتم بحوث الكتاب بدراسة أميرة محمد عبد الحليم، التي تقدِّم منظوراً مغايراً عبر التركيز على واقع التيارات الصوفية في ليبيا ودورها التاريخي والسياسي. تبدأ استعراض تاريخ التصوف في ليبيا، فتذكر تنكّر القذافي للتصوف، بسبب انقلابه على السنوسية والملك إدريس السنوسي (1951-1969)، ملاحظةً أن رحيل نظام القذافي كان مناسباً لإعادة وضعها في المشهد.

الخلاصة؛ أن التجربة الليبية مع الحركة الأصولية دُرست أخيراً بهذا الكتاب القيّم، ثمة تجارب عديدة لمجتمعاتٍ أخرى ذاقت الأمرَّين، ولكن لم يسلّط عليها الضوء. مجتمع محبّ للعلم والحياة والدنيا مثل المجتمع الليبي أرهقه النفوذ الأصولي، ودمّر بنيته الاجتماعية بسبب استغلاله الصراع القبلي، وتشتيته قيمة التنوع المجتمعي؛ إنها مبادرة ضرورية لبحث تجارب المجتمعات كلها مع الأصوليين بغية فهم العلاقات والتناقضات السياسية والاجتماعية والمذهبية والقبلية.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حول التجربة الليبية مع الجماعات الأصولية حول التجربة الليبية مع الجماعات الأصولية



GMT 08:30 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 00:18 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 24 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 07:03 2024 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

أسبوع دبي للتصميم لعام 2025 يقدم معرض خواتم الرجال

GMT 08:55 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتسرّع في خوض مغامرة مهنية قبل أن تتأكد من دقة معلوماتك

GMT 15:59 2019 الأربعاء ,01 أيار / مايو

تواجهك عراقيل لكن الحظ حليفك وتتخطاها بالصبر

GMT 06:19 2024 الأربعاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024

GMT 16:26 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

بريشة : ناجي العلي

GMT 10:37 2026 الثلاثاء ,20 كانون الثاني / يناير

عون يهنئ شربل داغر بجائزة “نوابغ العرب 2025”

GMT 18:06 2025 السبت ,04 كانون الثاني / يناير

هاكرز يستهدفون تطبيق واتساب في أكبر أسواقه

GMT 17:28 2020 الجمعة ,11 كانون الأول / ديسمبر

أجمل موديلات تيجان عروس فخمة

GMT 19:02 2021 الجمعة ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أول رد عراقي بشأن درع إليسا الواقي بأول حفلاتها في بغداد
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon