سوريا اختبار الدولة لا اختبار السلطة

سوريا... اختبار الدولة لا اختبار السلطة

سوريا... اختبار الدولة لا اختبار السلطة

 لبنان اليوم -

سوريا اختبار الدولة لا اختبار السلطة

بقلم : محمد الرميحي

بعد عام واحد فقط من التغيير الجذري الذي شهدته سوريا، لا يزال السؤال الأكثر إلحاحاً معلقاً في الهواء: كيف حدث كل هذا بهذه السرعة؟ وكيف أمكن لنظام استمر عقوداً أن ينهار بهذه الكيفية؟ الإجابة البسيطة، وإن كانت قاسية، أن ما صنعه النظام خلال السنوات العشر الأخيرة كان يقود حتمياً إلى هذه النهاية...

ليس خافياً أن السقوط ليس وليد لحظة سياسية خاطفة، بل نتيجة تراكم طويل من الإفقار والدمار وانسداد الأفق، وتآكل شرعية الدولة من داخلها. عندما تتحول الدولة إلى منابر متصارعة، ويغيب القانون، ويُهمَّش المجتمع، وتُدار البلاد بمنطق الغلبة لا بمنطق المؤسسات؛ فإن النتيجة تكون مؤجلة فقط لا ملغاة.

اليوم تقف سوريا في لحظة تاريخية شديدة الحساسية، ليست لحظة نصر ولا لحظة هزيمة. يرى البعض أن هناك فرصة لبناء دولة مدنية حديثة، تقوم على المواطنة، وعلى القانون لا على السلاح، وعلى الكفاءة لا على الولاء، في حين يقرأ آخرون المشهد بعين القلق، معتبرين أن الفراغ السياسي قد يُملأ بصيغ جديدة من الاستبداد، ولو بأقنعة مختلفة.

ما يلفت النظر أن إبحار السلطة الجديدة خلال هذا العام لم يتم في فراغ إقليمي، بل جرى بمساندة واضحة من جناح الاعتدال العربي، وخصوصاً من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية. الفرق الجوهري هنا أن التحالفات هذه المرة صُنعت بحسابات صحيحة، على عكس ما فعله النظام السابق، حين نسج، بقدر كبير من الحماقة السياسية، تحالفات خاطئة عزلته عربياً ودولياً، إلا أن التحالف الصحيح وحده لا يصنع معجزات، لكنه يفتح نوافذ، ويمنح فرصاً، ويقي من الانزلاق الممكن إن اتُّبع الهوى وقُدمت الآيديولوجيا على السوسيولوجيا...

الدولة اليوم ليست آيديولوجيا صلبة، وليست مقراً رئاسياً، بل شبكة معقدة من القضاء المستقل، والإدارة الكفؤة، والاقتصاد المنتج، والتعليم الحديث، وحياد الجيش، وتكافؤ الفرص بين المواطنين.

الشرع، خلال هذا العام، أظهر مسلكاً سياسياً مختلفاً عن أنماط الحكم السابقة؛ خطاب أقل صدامية، ومحاولات لإعادة الاعتبار للمؤسسات، وفتح محدود للنقاش العام حول شكل الدولة المقبلة. هذه إشارات إيجابية إن وُضعت في إطار صحيح، لكنها لا ترقى بعدُ إلى مستوى التحول البنيوي.

التحدي الأول يتمثل في إعادة بناء الثقة. شعب عاش سنوات طويلة في الرعب والخذلان لا يمكن أن يستعيد ثقته بين ليلة وضحاها؛ لأن الثقة تُبنى بالعدالة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وتعويض الضحايا، وطي صفحات الثأر دون طمس الحقيقة. التحدي الثاني اقتصادي بامتياز، فسوريا خرجت من الحرب بجسد اقتصادي منهك، وبنية تحتية مدمرة، وطبقة وسطى شبه غائبة. لا دولة حديثة بلا اقتصاد منتج، ولا إعادة إعمار حقيقية دون بيئة قانونية شفافة، ولا تنمية من دون شراكات إقليمية ودولية مستقرة.

أما التحدي الثالث فهو اجتماعي وثقافي. وهنا تمتلك سوريا ميزة كبرى قلّما يُلتفت إليها بالقدر الكافي، وهي رصيدها الهائل من القوة الناعمة؛ في الثقافة، والفن، والمسرح، والدراما، والموسيقى، والأدب، والتعليم. هذه مخزونات تاريخية عميقة، صنعها سوريون من خلفيات متعددة على مر السنين، كما هو حال النسيج السياسي والاجتماعي نفسه. إعادة توظيف هذه القوة الناعمة في مشروع الدولة الحديثة ليست ترفاً، بل ضرورة؛ لأنها أهدأ وأعمق أداة لترميم الوعي الوطني، وردم الشروخ، وصناعة هوية جامعة تتجاوز منطق الغلبة والهويات الضيقة.

في البعد الإقليمي، تتحرَّك سوريا اليوم في مساحة معقدة من التوازنات. عودتها التدريجية إلى الفضاء العربي تمثل رافعة سياسية واقتصادية بالغة الأهمية، لكنها تظل مرهونة بقدرتها على ضبط سيادتها، وتحديد علاقتها بالقوى التي تمددت خلال سنوات الصراع. هنا يصبح القرار السوري أمام اختبار مزدوج: أن يحسن الإفادة من الدعم العربي، وأن يتجنب الوقوع من جديد في فخ المحاور الصدامية.

بعد عامين من اليوم، كيف يمكن أن ننظر إلى هذه التجربة؟ هناك سيناريو ناضج، يتمثل في انتقال من سلطة الأمر الواقع إلى دولة القانون، عبر دستور توافقي، وانتخابات حقيقية، وإدارة لا تقوم على منطق الغنائم. وهناك سيناريو آخر أكثر قتامة، قوامه إعادة إنتاج الاستبداد بصيغة مختلفة، مع اختلاف الوجوه وبقاء الجوهر.

ما جرى في سوريا خلال عام واحد هو زلزال سياسي كامل الأركان، لكن الزلازل لا تبني المدن، بل تفتح المجال لإعادة البناء فقط. الفرق بين الدولة الحديثة والدولة الهشّة هو الفرق بين التخطيط والمؤقت، بين المشروع والرغبة، بين القانون والارتجال. سوريا بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد، ومؤسسات قوية، وليست بحاجة إلى خطابات كبرى، بل إلى سياسات صبورة وطويلة النفس. التجربة لا تُقاس بالشهور، بل بالعقود.

بعد عامين سيبدو المشهد أوضح؛ إما أن تكون سوريا قد وضعت قدمها الأولى على طريق الدولة المدنية الحديثة، أو تكون قد دخلت نفق إعادة إنتاج أزماتها بملامح جديدة. وفي الحالتين، سيكون هذا العام التأسيسي قد كتب الفصل الأهم في مستقبل البلاد. هذه ليست معركة أشخاص، بل معركة نموذج؛ نموذج الدولة التي تحمي مواطنيها لا التي تعيد تدوير الخوف.

آخر الكلام: ينبغي الالتفات إلى القوة الناعمة السورية وأهميتها في بناء الدولة الحديثة.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سوريا اختبار الدولة لا اختبار السلطة سوريا اختبار الدولة لا اختبار السلطة



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 12:14 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالإرهاق وكل ما تفعله سيكون تحت الأضواء

GMT 22:30 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

يشير هذا اليوم إلى بعض الفرص المهنية الآتية إليك

GMT 19:27 2025 الثلاثاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

ميتا تطلق نظام ذكاء متقدم يدعم أكثر من 1600 لغة

GMT 13:11 2019 الأحد ,07 إبريل / نيسان

كيم كارداشيان تستقبل مولودها الرابع بالحشيش

GMT 02:50 2020 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

استوحي إطلالة عصرية من النجمة أسيل عمران

GMT 20:23 2025 الأربعاء ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

توغل إسرائيلي نحو بركة المحافر في عيترون

GMT 18:43 2014 السبت ,05 تموز / يوليو

إلى السيد لحسن الداودي…

GMT 15:17 2022 السبت ,12 آذار/ مارس

خطوات يجب اتخاذها عند تجديد غرفة المنزل

GMT 20:40 2021 الأربعاء ,01 أيلول / سبتمبر

اتيكيت الأناقة عند النساء

GMT 07:50 2020 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

أسعار الذهب في لبنان الثلاثاء 21 يوليو - تموز

GMT 15:50 2020 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أرامكو تنفذ صفقة الاستحواذ على 70% من سابك

GMT 23:21 2021 الأحد ,03 كانون الثاني / يناير

جاكيتات مزينة بالشراشيب لأناقتك في الصباح والسهرات
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon