أميركا اللاتينية الحديقة الملعونة

أميركا اللاتينية الحديقة الملعونة

أميركا اللاتينية الحديقة الملعونة

 لبنان اليوم -

أميركا اللاتينية الحديقة الملعونة

بقلم:سوسن الأبطح

رغم العملية الجيمس بوندية المباغتة التي قادتها أميركا في فنزويلا، وانتهت باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، وصدمة العالم أجمع، فإن جدوى هذه المغامرة الاستعراضية لا يزال موضع شك كبير. فالنظام لا يزال قائماً والجيش متماسك، وشركات النفط الأميركية مترددة في دخول بلد مهترئ البنى، وعرضة للاهتزاز الكبير.

إذا كان الهدف النهائي لأميركا هو التخلص من النفوذ الصيني المتمادي في أميركا اللاتينية، فإن الضربة الأولى، على وقعها النفسي الكبير، لم تأت بنتائج سريعة أو حاسمة. مع ذلك التهديد متواصل لكوبا وكولومبيا وغرينلاند وفوقها إيران. ومنذ وصول ترمب إلى ولايته الثانية، التي وعد فيها بالسلام والوئام العالميين، نفذ هجمات على نيجيريا، سوريا، اليمن، فنزويلا. وكلها على طريقة اضرب واهرب، لا نعرف لها استراتيجية، ولا خريطة واضحة. وكأنما هي تحدث الزلزال دون أن تكون قد حضّرت لما بعده.

في العشرين سنة الأخيرة، تمددت الصين في أميركا اللاتينية بسرعة مذهلة، تحت أعين الولايات المتحدة. وأن يعلق وزير خارجية أميركا، روبيو، بعد عملية الاختطاف بالقول: «هذا نصف الكرة الأرضية الخاص بنا»، ويكاد ينصّبه ترمب حاكماً على فنزويلا دون أن نعرف الكيفية، فهو جزء من الفيلم الأميركي الذي يفتقر إلى سيناريو متماسك.

حتى الأرجنتين، التي تعتبر في الحظيرة الأميركية بعد أن نجحت هذه الأخيرة، في إيصال حليفها الكبير خافيير ميلي إلى الحكم تحت التهديد بإفلاس جديد، لا يبدو أنها قادرة على التخلي عن الصين. زار ميلي بكين متحمساً لمقاطعتها، وعاد متراجعاً عن التجاوب مع الضغط الأميركي، وعبّر عن إعجابه بليبرالية الاقتصاد الصيني، ببساطة لأنه لا يملك ترف التخلي عن عقود من دونها ستذهب بلاده إلى الإفلاس، وليس أمامه سوى التفاوض مع الأعداء.

الأرجنتين هي أكبر حليف للولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، تنام على عشرة في المائة من احتياطي الليثيوم في العالم الذي يدار بعقود صينية ومشاريع طويلة الأمد.

العلاقات اللاتينية الصينية يتم تسميمها وربما تأخيرها، لكن العودة إلى الوراء بالنسبة لهذه الدول مستحيلة.

حاولت أميركا منذ عهد أوباما وهي ترى سكك الحزام والطريق وموانئه تمتد أمامها، أن تعطل التمدد السريع، لكن المشاريع المقابلة جاءت شحيحة، هزيلة في مواجهة خطط بأحجام إمبراطورية.

حتى البرازيل حين هددتها أميركا بالعقوبات الضريبية إن لم تقطع علاقتها بالصين، احتارت الثانية لأن تخليها عن هذه الأخيرة وروسيا والهند يكلفها أكثر.

لا ينتبه كثيرون، أن الصراع كان على تايوان وفي بحر الصين، فإذا بنا وفي غضون أشهر قليلة، نصحو على أميركا تقاتل من أجل استرجاع حديقتها الخلفية التاريخية من مضيق بنما إلى فنزويلا، مع تفعيل مبدأ مونرو والبحث عن الموارد الطبيعية، التي تستفيد منها الصين، وقد أصبحت الشريك التجاري الموازي لأميركا نفسها، في عقر دارها، بمبلغ وصل إلى 815 مليار دولار سنوياً. وهو رقم مرشح للزيادة بمقدار 30 في المائة كل سنة إن لم يفرمل. تشيلي وحدها صدرت لبكين ما مقداره 38 مليار دولار عام 2025.

ما تستطيعه أميركا هو التقليل من الخسائر، وليس طرد التنين الصيني الذي أصبح حاجة حيوية للمنطقة. إذ إن الأرجنتين وتشيلي وبوليفيا وحدها تضم نصف احتياطات الليثيوم العالمية الذي تستثمر فيها الصين، وهذا وحده يشعل حرباً.

يقول مالكولم غلادويل الكاتب الكندي الشهير في نظريته المعروفة، إن زرّاع الأرز مثل الصينيين يملكون موهبة الصبر والانتظار، وأنهم بارعون في الحسابات الدقيقة، والخطط بعيدة المدى. أما زرّاع الذرة مثل الأميركيين فهؤلاء لا تنمو لديهم مواهب التأني والحساب، لأن مزروعاتهم تنمو، بينما هم يلهون، ويعبثون، وهؤلاء لهم طبيعة أخرى.

المعركة بين الصين وأميركا في هذا الجزء الحساس من العالم لن تحسم في يومين، وبين اختطافين، وعزل رئيسين. هي حرب بدأت ملامحها قبل عقدين، على المعادن الثمينة والنفط والنفوذ. تستخدم أميركا قوتها العسكرية وعضلاتها، وتسحب الصين البساط بهدوء بإمكاناتها التجارية الضخمة، ومشاريعها المغرية، واستفادتها من التاريخ الأميركي الاستغلالي الذي يعاديه كثيرون.

تواري الصين أسلحتها القتالية، وتحافظ على ابتسامة هادئة ولعبة متزنة، لكن السيناريوهات قد تتبدل بسرعة، إذا ما استعجلت أميركا الحصاد حدّ الاستفزاز الذي لا يقاوم، وهذه نقطة ضعفها الأساسية.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أميركا اللاتينية الحديقة الملعونة أميركا اللاتينية الحديقة الملعونة



GMT 05:31 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

زوال الأحزاب

GMT 05:30 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

كيف يبقى النظام: بالإصلاح أم بالإصرار؟

GMT 05:28 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

قبل الصدام الكبير إن حصل... لديّ حلم

GMT 05:27 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

ترمب: الأفضل لم يأتِ بعد

GMT 05:25 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

ليبيا بين أزمة السيادة والمناصب السيادية

GMT 05:24 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

طهران وخطوط واشنطن الحمراء

GMT 05:22 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

إيران أمام مفترق طرق

GMT 04:56 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

أنا والأهرام .. كانت بيننا أحلام

ألوان التراب تسحر إطلالات النجمات شتاء 2026

القاهرة ـ لبنان اليوم

GMT 21:08 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

الجيش اللبناني ينفي شائعات حول توقيف سوري
 لبنان اليوم - الجيش اللبناني ينفي شائعات حول توقيف سوري

GMT 13:59 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج العقرب الأحد 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 16:15 2019 الأربعاء ,01 أيار / مايو

النزاعات والخلافات تسيطر عليك خلال هذا الشهر

GMT 12:48 2018 الخميس ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

المنتخب السعودي يتقدم 3 مراكز في تصنيف فيفا

GMT 10:52 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

انخفاض بأسعار البنزين والمازوت في لبنان

GMT 22:12 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الجدي الأحد 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 15:30 2019 الإثنين ,25 شباط / فبراير

لؤي ناظر يكشف أسباب تراجع النتائج ورحيل بيلتش

GMT 15:21 2022 الأربعاء ,01 حزيران / يونيو

"FILA" تُطلق أولى متاجرها في المملكة العربية السعودية

GMT 12:49 2024 الأربعاء ,17 إبريل / نيسان

أنواع من الفواكه تحتوي على نسبة عالية من البروتين

GMT 13:03 2013 الأحد ,07 تموز / يوليو

8 جرحى في صدامات عرقية جنوب موريتانيا

GMT 01:06 2021 الإثنين ,22 شباط / فبراير

إصابة الفنان المصري أحمد مكي بفيروس كورونا

GMT 18:55 2021 الأربعاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

فياض "يأسف" لإقفال المحطات بحجّة انتظار التسعيرة الجديدة

GMT 23:04 2022 الثلاثاء ,21 حزيران / يونيو

التغير المناخي يُهدد جبال الألب بتأثير مُدمر

GMT 16:45 2021 الخميس ,28 تشرين الأول / أكتوبر

وزارة الاقتصاد اللبنانية نفت تحديد سعر جديد لربطة الخبز

GMT 21:00 2021 الإثنين ,18 كانون الثاني / يناير

مايك تايسون في صورة جديدة بعد عودته لحلبة الملاكمة

GMT 20:55 2021 الأربعاء ,14 تموز / يوليو

بيدري أفضل لاعب شاب في يورو 2020 رسميًا
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon