النصر في متناول أوكرانيا هل ترمب على صواب

النصر في متناول أوكرانيا: هل ترمب على صواب؟

النصر في متناول أوكرانيا: هل ترمب على صواب؟

 لبنان اليوم -

النصر في متناول أوكرانيا هل ترمب على صواب

بقلم : أمير طاهري

«ها! ها!»، هكذا جاء ردّ مستشار الأمن القومي الروسي ديمتري ميدفيديف، قبل أيام في موسكو، على تعليق أدلى به الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مفاده أن كييف «قادرة على استعادة كامل أراضي أوكرانيا، وصولاً إلى حدودها الأصلية التي بدأت عندها هذه الحرب».

من ناحية أخرى، لطالما نظر الغرب إلى ديمتري أليكسييفيتش، الذي شغل سابقاً منصب الرئيس المؤقت لروسيا، على أنه مُصلِح ربما يقود روسيا إلى الفلك الأوروبي، مهما كان معنى ذلك. أما اليوم، وبصفته نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي، فقد أصبح بمثابة الذراع الضاربة للرئيس فلاديمير بوتين، ويهدد الدول الغربية بالحرب النووية. ومع ذلك، يبقى التساؤل: هل فكرة الانتصار في هذه الحرب ضد روسيا مجرد ومضة من خيال ترمب، كقوله قبل عام إنه قادر على إنهاء الحرب «في لمح البصر»؟

للوهلة الأولى، قد تبدو فكرة الانتصار في حرب ضد روسيا ضرباً من الهلوسة؛ فروسيا، أكبر دولة في العالم، كانت فيما مضى قوة عظمى، وتملك أكبر ترسانة نووية في العالم. وقد وُلدت وترعرعت في أجواء الحروب، منذ نشأتها بوصفها كياناً شبه مستقل في كييف عام 882. وحسب بعض الروايات، فإن روسيا، بما فيها نسختها اللاحقة في صورة الاتحاد السوفياتي، خاضت أكثر من 120 حرباً، كبيرة وصغيرة، منها نحو 40 حرباً في القرنين التاسع عشر والعشرين.

من جهته، أكد الخبير في الشؤون الروسية غريغوري كارلتون أن روسيا نتاج ما يسميه «التوسع الدفاعي»؛ فالجغرافيا الروسية تفتقر إلى الدفاعات الطبيعية مثل البحار وسلاسل الجبال الشاهقة والغابات الكثيفة، مما يعني أن أي أرض تُعد روسية تصبح على الفور بحاجة إلى «منطقة عازلة» لحمايتها من أي عدوان مستقبلي. وبعد ذلك، تتحول هذه المنطقة العازلة بدورها إلى مصدر تهديد، الأمر الذي يدفع روسيا إلى التوسع مجدداً. وبهذه الطريقة، تحولت دولة «روس» الصغيرة في كييف إلى إمبراطورية، تمتد من بحر البلطيق إلى المحيط الهادئ، عابرةً 11 منطقة زمنية.

من جهته، كتب أحمد ميرفندرسكي، أحد أبرز الخبراء الإيرانيين في الشأن الروسي، وسفير سابق لدى موسكو في القرن الماضي: «لقد عاش الروس دوماً تحت وطأة الخوف من الفناء؛ فالدب الروسي دائماً ما يتخيل وجود صياد، وهو في حالة استعداد دائم للقفز على أي ظل يراه».

وربما يفسر هذا هجوم بوتين على أوكرانيا، انطلاقاً من خوف غير مبرر من احتمال انضمامها إلى حلف «الناتو» -أمر كان شبه مستحيل وقتها، بسبب قوانين الحلف المتعلقة بالعضوية. ومع ذلك، فإنه حتى لو نجحت روسيا في ضم أوكرانيا إلى أراضيها، فإنها ستظل تبحث عن منطقة عازلة أخرى، حتى تصل إلى المحيط الأطلسي.

وكتب ميرفندرسكي كذلك عن حلم موسكو بضم إيران والوصول إلى المحيط الهندي: «لن تتوقف روسيا إلا إذا جرى وقفها».

ويكشف تاريخ الحروب الروسية عن حالة مدّ وجزر، يتناوب فيها النصر والهزيمة بانتظام لافت. كما يدل على أن روسيا يمكن هزيمتها، بل قد هُزمت بالفعل، مما يجعل تغريدة ترمب الأخيرة أكثر من مجرد طعنة خطابية في الهواء.

ويمكن أن يملأ سجل تلك الحروب كتاباً كاملاً، لكنَّ بعض الأمثلة قد تكون بمثابة فاتحة شهية لمزيد من البحث:

الهزيمة الكبرى الأولى التي مُنيت بها روسيا كانت عام 1169، حين اضطرت إلى الاستسلام أمام تحالف ضم السويد وليتوانيا ولاتفيا وإستونيا وبولندا بعد حرب دامت 25 عاماً.

وجاءت الهزيمة الكبيرة التالية عامي 1616-1617 في حرب أخرى مع السويد، أدت إلى قطع روسيا عن بحر البلطيق. عام 1634، مُنيت روسيا بهزيمة أخرى أمام بولندا وليتوانيا، مما أدى إلى توقيع معاهدة سمولينسك المهينة.

في الفترة بين عامي 1651 و1653، مُنيت روسيا بالهزيمة على يد الشاه الصفويّ سليمان الإيرانيّ في معركة نهر سونزا، الذي أبقى روسيا بعيداً عن القوقاز طوال 200 عام.

وعام 1652، خاضت روسيا سلسلة من المعارك ضد أسرة تشينغ الصينية، وانتهت بخسارتها أراضي شمال نهر آمور.

والآن، دعُونا ننتقل بسرعة إلى القرن العشرين: جاءت الهزيمة الأكثر إذلالاً لروسيا بين عامي 1904 و1905 عندما هاجمت اليابان في عهد ميجي الأسطول الروسي في بحر أوخوتسك ودمرته، كما تعرضت فرق النخبة الروسية للهزيمة في الشرق الأقصى، وضمَّت أرخبيل الكوريل. وأقرت روسيا بسيطرة اليابان على شبه الجزيرة الكورية ومنشوريا، وسمحت لها بإقامة قاعدة في بورت آرثر.

ويعد سقوط بشار الأسد كذلك هزيمة عسكرية للقوة الروسية، التي قصفت المدن السورية بشكل مكثف من الجو، وقدّمت الدعم للقوات الموالية للأسد في بعض الجبهات. أخيراً، يمكن اعتبار الحرب الباردة هي الأخرى هزيمة أخرى لروسيا.

أما الانتصارات التاريخية الكبرى لروسيا، فقد تحققت خلال الحروب النابليونية بتحالفها مع قوى أوروبية، وخلال الحرب العالمية الثانية بتحالفها مع الولايات المتحدة وبريطانيا لهزيمة ألمانيا النازية.

وعليه، نعم، ربما يكون ترمب على حق: روسيا يمكن هزيمتها. ومع ذلك، فإنه فيما يخص مَن يفكرون في توسيع الحرب ضد روسيا، قد يكون من الحكمة التمهّل بعض الشيء؛ فرغم أن روسيا خسرت 19 حرباً من أصل 40 حرباً كبرى خاضتها، فإن هناك نمطاً واضحاً في «الانتقام» يظهر بجلاء، إذ غالباً ما تستعيد روسيا ما خسرته -من البلطيق إلى الكوريل- في صراع متأرجح يجعل من النصر والهزيمة وجهين لعملة واحدة يُلقى بها باستمرار في الهواء.

وبغضّ النظر عن تلميحات ميدفيديف النووية، يمكن نظرياً طرد روسيا من الأراضي الأوكرانية المحتلة، بما في ذلك شبه جزيرة القرم، لكن لا ضمان لأن مثل هذه النتيجة ستعالج عِلّة روسيا المزمنة: «التوسع الدفاعي» وعطشها الدائم للثأر.

إن التعبئة العسكرية العامة التي أعلنها بوتين -الأكبر من نوعها منذ عام 1916- ستُشجّع من دون شك أولئك الذين يدعون إلى هزيمة روسيا، مما يُعيدنا إلى كلمات الكاتب الفلورنسي: «لا تجرح عدواً قاتلاً، ثم تتركه حياً! اقتله أو اجعله صديقك».

ويُحسب لترمب -وإن كان من دون قصد- أنه فكّر في الخيارين كليهما، مع ميل واضح نحو الخيار الثاني.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

النصر في متناول أوكرانيا هل ترمب على صواب النصر في متناول أوكرانيا هل ترمب على صواب



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 21:25 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 14:33 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

بعد أن أصبح ١٨٪ من السكان عجائز وانخفضت القوى العاملة

GMT 13:05 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

تجنّب أيّ فوضى وبلبلة في محيطك

GMT 23:31 2021 الثلاثاء ,16 شباط / فبراير

تتخلص هذا اليوم من الأخطار المحدقة بك

GMT 13:33 2020 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

يحمل إليك هذا اليوم كمّاً من النقاشات الجيدة

GMT 12:37 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

ابرز الأحداث اليوميّة

GMT 20:40 2021 الإثنين ,08 شباط / فبراير

تحقق قفزة نوعية جديدة في حياتك

GMT 16:44 2021 الإثنين ,15 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 22:12 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الجدي الأحد 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 13:42 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

يحذرك هذا اليوم من المخاطرة والمجازفة

GMT 17:00 2025 الثلاثاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

وفاة المغني الشعبي المصري إسماعيل الليثي عقب حادث سير مروع

GMT 11:54 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

سر فوائد زيت البصل للشعر وطريقة تحضيره في المنزل

GMT 23:27 2021 الثلاثاء ,16 شباط / فبراير

تجاربك السابقة في مجال العمل لم تكن جيّدة

GMT 06:51 2024 الأربعاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

نصائح لتحديد أفضل وقت لحجز رحلاتكم السياحية بسعر مناسب

GMT 07:22 2025 الخميس ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

مرسيدس تكشف النقاب عن نسختها الجديدة GLC
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon