بوتين وجيرينوفسكي و«علمانيّو» الأسد

بوتين وجيرينوفسكي و«علمانيّو» الأسد

بوتين وجيرينوفسكي و«علمانيّو» الأسد

 لبنان اليوم -

بوتين وجيرينوفسكي و«علمانيّو» الأسد

حازم صاغية

بالتأكيد ليس فلاديمير بوتين فلاديمير جيرينوفسكي. لكنْ بالتأكيد أيضاً، هناك شيء من جيرينوفسكي في بوتين. والشيء هذا قد يتيح فهم بعض السياسات السوريّة كما يتّبعها الكرملين، لكنّه قد يتيح فهم ما هو أعمق: بعض الشبه بين «ثقافة» المحتلّ الروسيّ الجديد و»ثقافة» بعض «العلمانيّين» عندنا ممّن يتعرّضون لاحتلاله... الأخويّ.

ولنقل، بادىء بدء، إنّ جيرينوفسكي، من خلال هذيانه القوميّ، أحد أبرز المعبّرين الروس، بعد انهيار الاتّحاد السوفياتيّ، عن فشل «التغريب» في روسيا والعجز عن الدخول إلى مدار الحضارة الرأسماليّة والديموقراطيّة، ممّا يقلبه القوميّون والفاشيّون إلى فضيلة: فلا الماركسيّة أقلعت هناك، ولا الليبراليّة أقلعت. أمّا القوميّة، التي خلطتها روسيا بميراثها الأرثوذكسيّ، فأفلحت في توفير سدّ وهميّ لفجواتها جميعاً، فهي الشكل الغربيّ الوحيد الذي أمكن استيراده وتبيئته.

لكنْ إذا كانت الماركسيّة والليبراليّة تريان إلى إخفاق روسيا انطلاقاً من نقص تقدّمها الذاتيّ، فإنّ القوميّة، التي قدّم جيرينوفسكي صيغتها الأكثر كاريكاتوريّة، ترى إلى ذاك الإخفاق، حين تعترف بأنّه إخفاق، بوصفه نتاج مؤامرة خارجيّة. والمؤامرة هذه إنّما تأتي من «الجنوب»، مصدر الشرور والمصائب جميعاً، بحيث لا تستقيم «رسالة روسيا» إلاّ بالتوغّل جنوباً وإخضاع «العِرق التركيّ - التتريّ» والدين الإسلاميّ، والوصول تالياً إلى ما كان القياصرة يسمّونه «البحار الدافئة».

بيد أنّ «الجنوب» هذا قد يجد دعمه في «الشمال»، أي في أوروبا والولايات المتّحدة الأميركيّة، خصوصاً وقد تمكّنت منه الأعراق المنحطّة، فضلاً عن اليهود، بسبب سياساته في التعدّد الثقافيّ والإثنيّ والدينيّ، وفي التسامح مع مَن لا يستحقّونه، كما بسبب سياساته الليبراليّة في الهجرة. هكذا يصير الشيشان، مثلاً لا حصراً، السبب وراء أيّ تدهور يصيب روسيا. فإذا ظهر في الشيشان أفراد من منظّمة غربيّة غير حكوميّة، اكتملت لوحة المؤامرة وفُسّر التاريخ الروسيّ على أحسن وجه.

وجيرينوفسكي، صاحب هذه المواقف والآراء، سبق له أن أسّس حزباً لم يجد اسماً له إلاّ «الحزب الديموقراطيّ الليبراليّ»!، ومع أنّ الرجل لا تعوزه مهارات التهريج، حصل حزبه هذا على ربع أصوات الروس في انتخابات الدوما أواخر 1993. بعد ذاك استمرّ المهرّج شبه الفاشيّ في الحلبة السياسيّة كـ «معارض» يقدّم للروس وعوداً من نوع «دولة بوليسيّة... تنفّذ إعدامات جماعيّة بحقّ من لا يتقيّدون بالنظام». إلاّ أنّ الصعود اللاحق لفلاديمير بوتين، بوصفه الزعيم القويّ للقوميّة الروسيّة، أحاله إلى الهامش. وثمّة اليوم من يقول إنّ جيرينوفسكي غدا مجرّد أداة في يد الأجهزة الأمنيّة تستخدمه لأغراض بينها جسّ نبض الرأي العامّ القوميّ واليمينيّ، وبينها التأثير في خريطة الحياة الحزبيّة والانتخابيّة بما يلائم رغبات بوتين. أمّا عربيّاً، فقد عُرف جيرينوفسكي هذا بتأييده القويّ لصدّام حسين في حروبه. فالديكتاتور العراقيّ يمتلك، في عرفه، فضيلتين: أنّه ضدّ الغرب، وتحديداً أميركا، وأنّه ليس المسلم النموذجيّ الذي يمثّله خصومه، أي الإيرانيّون والأكراد والكويتيّون...

ويُلاحَظ اليوم أنّ المهلّلين عندنا للاحتلال الروسيّ الأخير، سواء صاغ نظريّته الفجّة فلاديمير جيرينوفسكي والكنيسة الأرثوذكسيّة الروسيّة، أم صاغ نظريّته الملطّفة فلاديمير بوتين ورجال ديبلوماسيّته، آتون من مصادر تشبه تلك التي أتى منها الفلاديميران. فهؤلاء أيضاً، استعاروا من الغرب القوميّة، ولم يستعيروا الديموقراطيّة والليبراليّة. وهؤلاء جميعاً يقفون بالمرصاد للمؤامرة ذات الرأسين الغربيّ والإسلاميّ، يؤوّلون تاريخ انحطاطنا وانحطاطهم بموجبها. وهم علمانيّون بدرجة أو أخرى، يرون العلمانيّة مجرّد تأديب للمسلمين السنّة. ثمّ إنّهم يتوقون إلى القائد البطل الذي كانه صدّام وصاره بشّار. وهم يريدون أن يرفلوا بالعلمانيّة تحت حذاء بشّار وجنود بوتين من تلامذة جيرينوفسكي. وهذا هو «الشرق الجديد» الموعود.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بوتين وجيرينوفسكي و«علمانيّو» الأسد بوتين وجيرينوفسكي و«علمانيّو» الأسد



GMT 09:34 2026 الخميس ,08 كانون الثاني / يناير

تداعيات تدجين فنزويلّا… على “الجمهوريّة الإسلاميّة”

GMT 06:30 2026 الخميس ,08 كانون الثاني / يناير

كيف تلتقي «القاعدة» وإيران في سوريا؟

GMT 06:28 2026 الخميس ,08 كانون الثاني / يناير

كوكب القانون

GMT 06:27 2026 الخميس ,08 كانون الثاني / يناير

تضارب المواقف في القيادة الإيرانية أربك «حزب الله»!

GMT 06:25 2026 الخميس ,08 كانون الثاني / يناير

لحظة وجودية في إيران

GMT 06:24 2026 الخميس ,08 كانون الثاني / يناير

ألف يوم على حرب السودان: كيف نمنع تكرار المأساة؟

GMT 06:21 2026 الخميس ,08 كانون الثاني / يناير

مادورو في نيويورك... وليس زائراً

GMT 06:20 2026 الخميس ,08 كانون الثاني / يناير

عن مفهوم الحداثة والتجربة الغربية

نادين نسيب نجيم تتألق بإطلالات لافتة في عام 2025

بيروت ـ لبنان اليوم

GMT 20:56 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

نجوى إبراهيم تواجه انتكاسة صحية مفاجئة بعد حادثتها في الخارج
 لبنان اليوم - نجوى إبراهيم تواجه انتكاسة صحية مفاجئة بعد حادثتها في الخارج

GMT 22:38 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 14:09 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 16:15 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

أحوالك المالية تتحسن كما تتمنى

GMT 23:13 2021 الجمعة ,29 كانون الثاني / يناير

زلاتان إبراهيموفيتش "أستاذ النحس" في ملاعب كرة القدم

GMT 04:01 2015 الأربعاء ,15 تموز / يوليو

هجر السعودي يتعاقد مع مهاجم النهضة لمدة موسمين

GMT 19:03 2020 السبت ,25 تموز / يوليو

إسبانيا تواجه البرتغال وديا في أكتوبر

GMT 06:54 2023 الإثنين ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

قواعد وإتيكيت الحديث واتباع الطرق الأكثر أناقاً

GMT 03:49 2018 الجمعة ,28 كانون الأول / ديسمبر

هوساوي يكشف أسباب اعتزاله عن "الوحدة"

GMT 13:04 2022 الخميس ,07 إبريل / نيسان

فوائد تناول الأسماك أثناء الحمل

GMT 07:26 2021 السبت ,06 آذار/ مارس

وفاة شقيق الفنان عمر الحريري
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon