«ثقافة» العقاب الأسدية في بيروت

«ثقافة» العقاب الأسدية في بيروت

«ثقافة» العقاب الأسدية في بيروت

 لبنان اليوم -

«ثقافة» العقاب الأسدية في بيروت

بقلم : حازم صاغية

ليلةَ الثلاثاء في 14 الجاري، اقْتِيدَ عشراتُ الشبان إلى «ثكنة الحلو» في بيروت، بعدما جرَّبت القوى الأمنية عليهم عنفَها المفرط. هؤلاء تحدَّثوا، إثر خروجهم، عن الضرب والإهانة اللذين تعرضوا لهما؛ لكنَّهم أيضاً نقلوا عبارات «سياسية» قليلة ومقتضبة سمعوها، عبارات تنمُّ عن «ثقافة» الاحتجاز الراهنة في لبنان.

ونعلم أن ما يقوله السجان للسجين كلام «صادق»، بمعنى أنه يعكس بشيء من الدقة ما تنطوي عليه نفس السجان وعقله. ذاك أن هذه العتمة التي تجمع الاثنين، يغيب عنها الرأي العام والإعلام، كما تغيب احتمالات العقاب الذي يُمليه القانون بما يردع الجاني ويحاصر المرتكب. بل تغيب كذلك المعايير المتمدنة التي تنظم العلاقة بين شخصين يُفترض أنهما متساويان. هكذا يُترك للسجان، وهو – تعريفاً - من انفصلت عنه أناه العليا، أن يتفلَّت من الضوابط كلها، وأن يطابق ذاته الطبيعية والأولى.

أبعد من ذلك أن السجان يعامل موقوفه كأنه لا أحد، واللا أحد لا يسمع، وإذا سمع لا ينقل، وإذا نقل ازورَّ عنه السامعون «المحترمون» أو كذَّبوه. وهذا جميعاً يتيح له أن يضرب فيما يظنُّه جثة، فلا يكتفي بالانتقام لدونية عميقة فيه؛ بل ينفِّس مرارات متراكمة كان آخرها جهده العنفي في مواجهة محتجين غاضبين.

باختصار، تتضافر العوامل التي تستدرج ما هو سادي في السجان، وتطلق له العنان.

ولئن كان لفضول التلصص على مونولوغ السجان إغراؤه المؤكد، فإن ما يرويه الخارجون من الاحتجاز يلبي فضولنا قاطعاً الشك باليقين. ومما رواه الشبان هؤلاء تحسر السجانين «لأننا لسنا في سوريا» واشتهاؤهم أن يكونوا هناك. ذاك أن «قلب العروبة النابض» كان ليتيح قدراً من الفتك والأذى بالموقوفين يتردد أمامه «بلد التسويات الطائفية». وهذا الحب الذي يُبديه السجان لـ«سوريا الأسد» بوصفها الحالة المثال، لا يكتمل إلا بحقد على ضحاياها السوريين. فهم - وفق الرواية إياها - يخضعون للضرب والمهانة بما يفوق ما يخضع له رفاقهم اللبنانيون، فضلاً عن احتجازهم في ثكنة الحلو لمُدد زمنية أطول.

هذا التلاقي بين الإعجاب بالأسد والكره للسوريين، يلخص وجهاً أساسياً من وجوه «ثقافة» الزنزانة اللبنانية، وجهاً يستدخل ويستعرض بعض أسوأ ما يعرفه المجتمع اللبناني واجتماعه، جلداً للضحية وتماهياً مع جلادها.

إحدى محطات هذا السلوك نشأت إبان سنوات الوصاية السورية. يومذاك احتضنت بعض الأوساط «نظرية» ضمنية مفادها التالي: «نحن (اللبنانيون) شعب عظيم وحاكم سوريا حافظ الأسد قائد عظيم. إنه يليق بنا، بينما يليق حكامنا العاديون (موظفو الأسد في بيروت) بشعب سوريا العادي».

لقد انطوت تلك «النظرية» على اشتهاء استبدالي: تَذللٌ للغالب تماهياً معه من موقع ذليل، وتشاوفٌ على المغلوب، أي السوريين من شركاء اللبنانيين في الانغلاب أمام الأسد، لإبعاد شبهة التذلل عن أصحابه.

و«النظرية» هذه أحد مصادر «حلف الأقليات» اللاحق: اللبنانيون العظماء انحازوا إلى العظيم ابن العظيم ضد السوريين العاديين الذين تعاطف معهم لبنانيون عاديون. أما مشاركة «حزب الله» في الحرب السورية، فحسَّنت شروط التبعية التي تربط العظيم الأصغر بالعظيم الأكبر. لقد سدَّد الدَّين مصحوباً بفائدة مرتفعة.

لكن استنفار هذا التلاقي بين حب الأسد وكره السوريين في مناخ الثورة اللبنانية وقمعها، فيدلُّ إلى يد قامعة غير منظورة: إنها الثورة المضادة في سوريا الأسد، وفي عموم المنطقة تالياً، وهو ما لا يجوز لثوار لبنان نسيانه أو تجاهله، والظن أن عين الشقيق الأكبر ساهية عنهم.

شيء ثالث ذكره الخارجون من التوقيف، يتمم تلك «الثقافة»، ويلقي مزيداً من الضوء على مخاطرها. فالموقوفون عُيِّروا بأنهم «صهاينة»، تطبيقاً لمبدأ أسدي استوطن لبنان حتى 2005 قبل أن يرثه «حزب الله». ومفاد المبدأ هذا ابتزاز الخصوم والمعارضين بحجة لا تعدو كونها تمريناً لفظياً تلقائياً. فخلف امتهان مَن يُتهم بالصهيونية يقيم امتهان أكبر للتهمة ذاتها. والحال أن هذا البيع والشراء المتواصل في بازار الصراع اللفظي مع إسرائيل، هو «ثقافة» السجن السوري الكبير بقدر ما هو «ثقافة» السجون الصغرى المتفرعة عنه في سوريا وفي لبنان. وهذا ما تتلقفه أصوات لا تُبقي منه إلا العداء الفعلي للفلسطينيين، كأنْ تُخبرنا مثلاً محطة «أو تي في» التلفزيونية العونية أن «فلسطينيين ملثمين بالكوفيات، ويتحدثون باللهجة اللبنانية» شاركوا في تظاهرة بشارع الحمرا.

والآن، مع حكومة اللون الواحد الموعودة، والتي يبدو أنها لن تولد إلا في الدم، يُقدر لهذه «الثقافة» أن تحرز مزيداً من الانتشار والتوسع. وفي الأحوال كافة، فإن العنف، ليلتي السبت والأحد، في 18 و19 الجاري، كان أشرس كثيراً منه في ليلة الثلاثاء، كما أن الذين أوقفوا ونُقلوا إلى الزنزانات أكثر كثيراً. هؤلاء حين يخرجون سيقولون لنا ما الذي سمعوه هناك، وهم - في أغلب الظن - سيعززون ما بتنا نعرفه عن «ثقافة» العقاب الأسدية في بيروت.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«ثقافة» العقاب الأسدية في بيروت «ثقافة» العقاب الأسدية في بيروت



GMT 00:53 2021 الأربعاء ,13 كانون الثاني / يناير

فخامة الرئيس يكذّب فخامة الرئيس

GMT 21:01 2020 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

بايدن والسياسة الخارجية

GMT 17:00 2020 الخميس ,17 كانون الأول / ديسمبر

أخبار عن الكويت ولبنان وسورية وفلسطين

GMT 22:48 2020 الثلاثاء ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

عن أي استقلال وجّه رئيس الجمهورية رسالته؟!!

GMT 18:47 2020 الأربعاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب عدو نفسه

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 12:53 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الأحد 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 22:01 2023 الأربعاء ,22 شباط / فبراير

المكارثيّة والغولاغ... مرّة أخرى

GMT 00:03 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

أجواء إيجابية لطرح مشاريع تطوير قدراتك العملية

GMT 20:11 2022 السبت ,23 إبريل / نيسان

في وداع لبنان

GMT 20:09 2021 الإثنين ,26 تموز / يوليو

مهرجان الرقص في دورته الثانية في صور

GMT 18:52 2021 الأربعاء ,22 كانون الأول / ديسمبر

الجامعة اللبنانية وزعت نبذة عن رئيسها الجديد بسام بدران

GMT 20:18 2025 الأحد ,14 كانون الأول / ديسمبر

الأمن العراقي يفكك شبكة دولية لتصنيع وتجارة المخدرات

GMT 14:22 2016 الجمعة ,27 أيار / مايو

الشباب يوقع عقد احترافي مع عبدالله الخيبري

GMT 18:53 2022 الأربعاء ,16 آذار/ مارس

نور تخطف الأنظار بإطلالة مميزة وساحرة

GMT 07:16 2021 الخميس ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

موعد مع الإعجاز السعودي الثاني

GMT 03:52 2020 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

"ألوان الخمسينيات" تعود من جديد في ديكور 2020

GMT 01:52 2014 السبت ,24 أيار / مايو

ضـد الفـن .. والعـلم

GMT 14:42 2021 الأربعاء ,10 آذار/ مارس

بري يتابع موضوع التسرب النفطي

GMT 06:18 2014 الأربعاء ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

ماذا تقول أسماء الشيخ؟

GMT 08:14 2020 الخميس ,10 كانون الأول / ديسمبر

ساعة أكسكاليبور بلاكلايت ساعة روجيه دوبوي الجديدة

GMT 22:33 2021 الأحد ,24 كانون الثاني / يناير

زلزال يضرب مدينة ملاطيا التركية

GMT 06:40 2019 الإثنين ,10 حزيران / يونيو

انصفوا هذا المبدع
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon