بداية تراجع إيراني في اليمن

بداية تراجع إيراني في اليمن!

بداية تراجع إيراني في اليمن!

 لبنان اليوم -

بداية تراجع إيراني في اليمن

خيرالله خيرالله

حلّ الحوثيون، أي “أنصار الله” في اليمن، بإصدارهم إعلانا دستوريا، مكان الدولة ومؤسساتها، أو ما بقي منها على الأصحّ. يشكّل حلّ مجلس النوّاب أهمّ القرارات التي اتخذوها، نظرا إلى أنّ المجلس كان المؤسسة الوحيدة الباقية والتي يمكن من خلالها إضفاء شرعيّة ما على مجلس رئاسي، أو رئيس انتقالي. مثل هذا الرئيس الانتقالي الذي كان يمكن أن يكون رئيس المجلس، يمكن أن يساعد في العودة إلى مرحلة انتقالية حقيقية تراعي التوازنات الداخلية وتؤدي في الوقت ذاته إلى تجاوز حال التخبّط التي تعاني منها كلّ القوى السياسية، من دون أي استثناء، في البلد. لا شكّ هنا أن الخاسر الأكبر من حلّ مجلس النوّاب هو الرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي يمتلك الحزب الذي يرأسه (المؤتمر الشعبي العام) أكثرية فيه.

ما حدث هو في واقع الحال تتمّة طبيعية لمسيرة “أنصار الله” التي بدأت من صعدة قبل ما يزيد عن عشر سنوات، وما لبثت أن تمدّدت ابتداء من مطلع العام 2011 بعدما حاول الإخوان المسلمون الانقلاب على علي عبدالله صالح. كانت المحطة الرئيسية في هذه المسيرة السيطرة عسكريا وأمنيا على صنعاء في الحادي والعشرين من سبتمبر الماضي. ما يبدو مفيدا التذكير به أنّ الحرب الأولى التي خاضوها مع الجيش اليمني كانت في العام 2004، قبل أحد عشر عاما.

في سبتمبر الماضي، فرض الحوثيون بقوّة السلاح اتفاق “السلم والشراكة” الذي باركته الأمم المتحدة عبر جمال بنعمر المبعوث الشخصي للأمين العام للمنظمة الدولية. كذلك وقّعت معظم الأحزاب والقوى السياسية الاتفاق، الذي نسف عمليا المبادرة الخليجية وكلّ ما أسفر عنه الحوار الوطني. حصل ذلك، للأسف الشديد، بحضور الرئيس الانتقالي المستقيل عبدربّه منصور هادي.

لم يكذب زعيم “أنصار الله” عبدالملك الحوثي على أحد. نفّذ ما وعد به وما يعتقد أنّه صحيح من وجهة نظره. بالنسبة إلى عبدالملك الحوثي، هناك “شرعية ثورية” حلت مكان الشرعية الدستورية. هناك بكلّ بساطة نظام جديد في اليمن اسمه “ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر” حلّ مكان النظام الجمهوري الذي نشأ إثر “ثورة السادس والعشرين من سبتمبر” من العام 1962 التي أنهت النظام الإمامي.
قال عبدالملك الحوثي بالفم الملآن إنّ هناك عودة إلى النظام الإمامي. أعلن نفسه عمليا إماما يحكم اليمن من صعدة. أصبح يحتلّ دور “المرشد” الذي يشكّل السلطة العليا، على غرار ما هي عليه الحال في نظام “الجمهورية الإسلامية” في إيران.

ما ساعد الحوثيين في الوصول إلى ما وصلوا إليه عوامل عدّة. في مقدّم هذه العوامل أنّهم يعرفون ماذا يريدون. كانوا يريدون في البداية توسيع الإقليم الذي خُصص لهم نتيجة الحوار الوطني وذلك كي يكون لديهم ميناء بحري، هو ميناء ميدي في محافظة حجّة التي هي معقل الزيدية في اليمن. لم يجد “أنصار الله” عوائق تذكر في السيطرة على حجّة بعدما فتحت لهم السيطرة على محافظة عمران وطرد آل الأحمر، زعماء قبيلة حاشد منها، أبواب صنعاء. أخذ “أنصار الله” حجّة والميناء في طريقهم إلى العاصمة…

استفاد الحوثيون إلى أبعد حدود من غياب الرغبة لدى الرئيس الانتقالي في وقف تمددهم، خصوصا أنّ عبدربّه منصور كان يراهن على الاستنزاف المتبادل بينهم وبين خصومهم، وعلى رأسهم الإخوان المسلمون. كانت المفاجأة الانهيار الكامل للألوية العسكرية الموالية للإخوان. إنهار اللواء 310 في عمران، ثمّ انهارت الفرقة الأولى ـ مدرّع التي كانت بإمرة اللواء على محسن الأحمر.

انطلاقا من صنعاء، حاول الحوثيون التمدّد في كلّ الاتجاهات، بما في ذلك ساحل تهامة ومدينة الحديدة، أهمّ الموانئ اليمنية على البحر الأحمر. لكنّ نزهة الحوثيين التي بدأت مع سقوط صنعاء انتهت سريعا. اصطدموا بالحائط الشافعي في طريقهم إلى باب المندب في الجنوب من جهة وفي طريقهم إلى محافظات الوسط، التي عاصمتها تعز، ومحافظة مأرب من جهة أخرى. لم يحسبوا لهذا الحائط حسابا. كان الاعتقاد السائد لدى “أنصار الله”، ومن خلفهم إيران، أن الاختراقات التي حقّقوها في الوسط والجنوب كفيلة بتمكينهم من السيطرة على اليمن كلّه. لم يدركوا باكرا حجم الغرائز المذهبية التي أثاروها. ترتب عليهم منذ نحو شهر إعادة حساباتهم والارتداد على صنعاء مجددا من أجل الإمساك بها وإقامة دولة خاصة بهم تدور في الفلك الإيراني. وهذا ما يفسّر إلى حدّ كبير استخدام اتفاق “السلم والشراكة”، وهو اتفاق لا شرعية له، غير شرعية قوّة السلاح، من أجل الانقضاض على الرئاسة. أخرجوا عبدربّه منصور من دار الرئاسة وفرضوا الإقامة الجبرية عليه بعد رفضه تشكيل غطاء لعملية الاستيلاء الكامل على مؤسسات الدولة الموجودة في العاصمة وإعادة تشكيل القوات المسلّحة والأجهزة الأمنية.

تأخّر عبدربّه طويلا في تقديم استقالته. كان عليه أن يفعل ذلك بعد انتصار الحوثيين في عمران أو بعد سيطرتهم الكاملة على صنعاء بواسطة “اللجان الشعبية” التي ليست سوى ميليشيا مذهبية مثل ميليشيا “حزب الله” في لبنان أو الميليشيات الحزبية في العراق… أو ميليشيات “حماس″ في قطاع غزّة.

ما يؤكده “الإعلان الدستوري” الصادر عن الحوثيين هو أن رهانهم على حكم كلّ اليمن لم يعد قائما. كان علي عبدالله صالح أوّل من تكهّن بذلك عندما قال في اتصال مع صديق له إن “شمال الشمال لا يمكن أن يحكم كلّ اليمن”.

هل ينجح “أنصار الله” في حكم دولة شمال الشمال؟ الثابت أنّهم سيستخدمون كلّ ما لديهم من قوّة للإمساك بصنعاء وتكريس نوع من الوجود في البيضاء وإب، إضافة بالطبع إلى ساحل تهامة حيث ليس مستبعدا أن يواجهوا مقاومة في مرحلة ما على الرغم من أن المواطنين هناك من النوع المسالم.

الثابت أيضا أنّ “أنصار الله” تخلّوا عن حلم حكم كلّ اليمن. هذا يعني أن هناك أسئلة كثيرة ستطرح في المستقبل. من بين هذه الأسئلة ما هو متعلّق بمدى قبول الزيود في اليمن أن يكونوا تحت هيمنة الحوثيين الذين ليسوا سوى فرع من فروع المذهب. كذلك هناك سؤال يتعلّق بقدرة ايران على الاستثمار في دولة جديدة تابعة لها عاصمتها صنعاء. هل مثل هذه الدولة قابلة للحياة، أم أن تجربة قطاع غزّة يمكن أن تتكرّر على جزء من اليمن؟

الأهم من ذلك كلّه ما مصير الوسط والجنوب. كم عدد الدول التي ستقوم هناك؟ هل يمكن إبقاء الجنوب موحّدا؟ هل تصمد مأرب طويلا؟ ما مصير الجوف ذي الحدود الطويلة مع المملكة العربية السعودية؟

أرادت إيران تسجيل نقطة لمصلحتها في اليمن. أرادت القول إنّ الأوراق الإقليمية التي تمسك بها كثيرة. رسالتها موجّهة إلى أهل الخليج وإلى الولايات المتحدة. هذا لا يمنع القول إن ارتداد إيران، عبر “أنصار الله” في اتجاه صنعاء بداية لانكماش في مشروعها اليمني ودليل ضعف أكثر مما هو دليل قوّة.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بداية تراجع إيراني في اليمن بداية تراجع إيراني في اليمن



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 13:06 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 12:58 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

يتناغم الجميع معك في بداية هذا الشهر

GMT 16:44 2019 الأربعاء ,01 أيار / مايو

المكاسب المالية تسيطر عليك خلال هذا الشهر

GMT 00:44 2017 الجمعة ,29 كانون الأول / ديسمبر

دار "دولتشي أند غابانا" تطرح مجموعة جديدة لعام 2018

GMT 18:24 2019 الإثنين ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

مصطفى حمدي يضيف كوتة جديدة لمصر في الرماية في أولمبياد طوكيو

GMT 03:44 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على قواعد الإتيكيت لكافة أنواع الرحلات

GMT 07:36 2021 الثلاثاء ,14 كانون الأول / ديسمبر

أسس في ديكورات مجالس الرجال الفخمة

GMT 11:57 2023 الأربعاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

برومو ”الاسكندراني” يتخطى الـ 5 ملايين بعد ساعات من عرضه

GMT 16:44 2018 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

تسريب صور مخلة للآداب للممثلة السورية لونا الحسن

GMT 15:14 2020 الأحد ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

شباب الأردن يتجاوز الفيصلي بثلاثية في دوري المحترفين

GMT 21:12 2020 السبت ,26 كانون الأول / ديسمبر

العناية ببشرة العروس من خلال هذه الخطوات

GMT 13:53 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon