إمَّا دينغ وإمَّا غورباتشوف

إمَّا دينغ وإمَّا غورباتشوف

إمَّا دينغ وإمَّا غورباتشوف

 لبنان اليوم -

إمَّا دينغ وإمَّا غورباتشوف

بقلم:غسان شربل

إدارةُ الدولِ مسألةٌ معقدةٌ أصلاً. لا بدَّ من صيانةِ الشَّرعيةِ والمحافظة على خيط الثقة المتينِ بين الحكم والشعب. لا بدَّ من الاستماعِ العميق إلى النَّاسِ وعدم الاكتفاءِ بالتَّقارير الرَّسمية التي لا مصلحةَ لمدبّجيها بطرحِ الأسئلةِ الصعبة وإثارةِ الشكوك. لا يمكنُ تجاهلُ يومياتِ المواطن خصوصاً حين ترتفعُ معدلاتُ الفقر، أو تتدهورُ العملةُ الوطنيةُ ويسرقُ التَّضخمُ وجباتِ النَّاس أو يقلّصُها، ولا بدَّ دائماً من إبقاءِ شعلة الأمل حيَّة. انسدادُ الأفقِ يراكمُ الغضبَ والنقمةَ والمرارةَ فينهار السَّد.

وفي صيانةِ الدول لا بدَّ من حاكمٍ يعرف القصةَ ويعرف العالم. دفعت دولٌ كثيرةٌ أثماناً باهظةً لوجود القرارِ في يدِ رجلٍ لا يعرف التوازناتِ الدولية، وقوة مهندسي ملامح العالم. أسرفَ بعضُ الحكام في الشّعور بقوَّتِهم وقوةِ بلدانهم. انقطع خيطُ الاتصالِ بينهم وبين الحقائقِ والأرقامِ والوقائع. ذاتَ يوم اعتبرَ صدام حسين أنَّه يستطيعُ غزوَ الكويت من دون دفعِ الثَّمن. واعتبرَ معمر القذافي أنَّه يستطيعُ التَّحرشَ بأميركا وإرسالَ القنابلِ لتنفجر بالطائرات. واعتبرَ النّظامُ الإيراني أنَّه يستطيع تدميرَ مقر «المارينز» في بيروتَ، وقتلَ مئات الجنود الأميركيين من دون مواجهةِ العواقب وإن تأخرت.

وسادَ لدى بعض الحكامِ اعتقادٌ بأنَّ الاقتصادَ مسألةٌ هامشيةٌ أو ثانوية يمكن إيكالُ إدارتِها إلى رجال يمتازون بولائِهم لا بكفاءتهم. وكانَ الرهانُ لديهم على توزيع المغانمِ على المؤيدين ومخاطبة الناس عبر قسوةِ الأجهزة الأمنية. وترسَّخت لدى هؤلاءِ قاعدة أنَّ الانتظار أفضلُ مستشار، وأنَّ فتحَ باب التغيير يؤدي إلى الفتنة والانهيار. وكانَ يُنظر إلى أيّ مطالبَ بالإصلاح بوصفِها عَملاً أو جَاسوسياً، وأنَّ الدواءَ هو القتل أو الإقامة المديدة وراءَ القضبان.

الجمودُ أكثر الأمراض فتكاً بالأفراد والدول. كانَ الزعيم السوفياتي ليونيد بريجنيف أستاذاً في حراسةِ الجمود. حاولَ رئيسُ وزرائه ألكسي كوسيغين، طرحَ حلولٍ خجولة لزيادةِ الإنتاج وتحفيزِ الاقتصاد واحترامِ مبادئ الاقتصاد نفسِه، لكنَّ التيارَ المتشدد سرعانَ ما التف على خطوات كوسيغين مكرساً هيمنة الجمود والتراجع. وحين أطل ميخائيل غورباتشوف في منتصفِ الثمانينات لإنقاذ النظام عن طريق «إعادة البناء» و«الشفافية»، انفجر الجسدُ الهرم وتطاير الاتحاد السوفياتي.

لم تستنتج أنظمة عربية من تجربة غورباتشوف سوى أنَّه مشروع انهيار. في 19 أغسطس (آب) 1991، عُقدت في بغداد جلسةُ حوارٍ بين وفد حكومي ووفد كردي. تلقَّى الحاضرون نبأ المحاولة الانقلابية في موسكو ضد غورباتشوف، فتغيرت لهجةُ الوفدِ الحكومي إلى حدّ إهانةِ الوفد الزائر الذي لم يجد أمامَه غير المغادرة. بشارُ الأسد نظرَ إلى غورباتشوف من الزاوية نفسِها. وعدَ بإصلاحات لكن الجنرالات الذين ورثهم عن أبيه سارعوا إلى إقناعِه بأنَّ فتحَ النافذة في بلد تحكمه أقليةٌ، لا يعني غيرَ دخول العاصفة. لم يتنبه إلى مخاطرِ الجمود وتراكمِ الفشل الاقتصادي. وكانَ ما كان.

كانتِ الصينُ محظوظة. في أواخر السبعينات أطلَّ على ساحة القرار فيها دينغ هسياو بينغ. أدركَ الرجلُ أنَّ أفكارَ ماو تسي تونغ لا تصلح لكل زمان ومكان، خصوصاً في الاقتصاد. احتفظ بالحزب الشيوعي كآلة استقرار وانتهج سياسة «الإصلاح والانفتاح» وفتح أبواب التجارة والاستثمار والتوجه نحو اقتصاد السوق. أنقذَ النظام والبلاد، فقد مهَّدت سياستُه لإخراج مئاتِ ملايين الصينيين من دائرة الفقر. وها هي الصينُ نهرٌ هائلٌ من التَّقدم والتكنولوجيا تحتل مقعدَ الاقتصاد الثاني في العالم.

كانَ دينغ منشغلاً بفتح النافذة مع حراسةِ الاستقرار حين وُلدت الثورةُ الإيرانيةُ في عالم المعسكرين. واضحٌ من أحداثِ اليوم أنَّها لم تستخلص العبرَ لا من تجربة غورباتشوف ولا من تجربة دينغ.

صحيح أنَّ الثورة الخمينية وُلدت من خارج قاموس المعسكرين. لكن هذا لا يعني أنَّها لن تعاني من وطأة العمر الذي يُرخي بثقله على الثورات كمَا على الأفراد. تصرفتِ القيادةُ الإيرانية كأنَّ مَهمَّتها الذهبية هي في الخارج لا في الداخل. اعتقدت أنَّها تستطيع تغييرَ ملامح المنطقة. ولا يمكن إنكار أنَّ هجومَها الإقليمي حقَّق نجاحاتٍ بلغت حدَّ مباهاة عددٍ من جنرالاتها بالإمساك بمفاتيح أربعِ عواصمَ عربية. تركتِ الثورة الإيرانية بصماتِها في بيروتَ ودمشقَ وبغدادَ وصنعاء.

بالغتِ القيادةُ الإيرانية في تقدير قوتِها وفي استضعافِ الغرب. لم تتوقع أن يدخلَ البيتَ الأبيضَ رجلٌ يصدر أمراً بقتل الجنرال قاسم سليماني. ولم تتوقَّع أن يعودَ الرَّجلُ إلى المكتب البيضاوي ويأمر طائراتِه بمعاقبة إيرانَ بسبب التخصيب النووي وتخصيب التوتر في الإقليم. لم تتوقع بالتأكيد أن تتجرأ حكومةُ بنيامين نتنياهو وترسلَ طائراتِها لتحتلَّ أجواءَ طهران وتقتل الجنرالات والعلماء. لم تدركِ القيادة الإيرانية أنَّ الزمن تغير. جاءتها المفاجأة من حيث لا تتوقع. أطلقَ يحيى السنوار «الطوفان»، وألحق خسائرَ بإسرائيلَ، لكنّ «الطوفان» سرعان ما ارتد ليضرب «حزب الله» اللبناني ويقتلعَ نظامَ بشار الأسد وتصلَ أمواجُه إلى إيرانَ نفسِها.

ليست المرةَ الأولى التي تواجه فيها السلطةُ الإيرانية احتجاجاتٍ واسعة في الشارع، لكنَّها المرة الأولى بعد ما لحق بصورة إيران بفعل تفكك «محور الممانعة» وسلوك سوريا الشرع طريقَ الشراكة مع أميركا والخروج من الشّق العسكري في النزاع مع إسرائيل، ثم إنَّ المطروحَ في غزةَ هو نزع سلاح «حماس»، والمطروح في لبنان نزع سلاح «حزب الله» ولو بتسمية مخففة.

ما انطبق على الثورتين الروسية والصينية ينطبق بالضرورةِ على الثورة الإيرانية. لا بدَّ من معالجة تجاعيدِ العمر والعودة من الأحلام والأوهام إلى عالم الوقائع والأرقام. تغييرُ لغةِ التخاطب في الداخل وفتحُ النوافذ مع الخارج. والقاعدةُ صريحةٌ: تسمحُ الثورةُ بولادة دينغ لينقذَها ويصالحَها مع شعبها ومع العالم أو تنتظر ليجيءَ غورباتشوف ومعه الانهيار. أبقَى دينغ ضريح ماو مجللاً بالاحترام، لكنَّه لم يسمح له بأن يديرَ الصّين من قبره.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إمَّا دينغ وإمَّا غورباتشوف إمَّا دينغ وإمَّا غورباتشوف



GMT 07:57 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

الحلُّ عندكم

GMT 07:55 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

غرينلاند... نتوء الصراع الأميركي ــ الأوروبي

GMT 07:54 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

عراقجي لزيلينسكي: لو غيرك قالها!

GMT 07:52 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

المقاربة السعودية لليمن تكريس لفضيلة الاستقرار

GMT 07:50 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

الأشْعَارُ المُحكَمَةُ

GMT 07:49 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

هل تُضعف أميركا نفسها؟

GMT 07:47 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

النظام العالمي و«حلف القوى المتوسطة»

GMT 07:43 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

تفاءلوا خيرًا أيها المحبطون !

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 12:46 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الحمل الأحد 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 05:12 2026 السبت ,03 كانون الثاني / يناير

مصرع 11 سائحا وإصابة 11 آخرين بحادث سير في البرازيل

GMT 21:12 2020 السبت ,26 كانون الأول / ديسمبر

العناية ببشرة العروس من خلال هذه الخطوات

GMT 13:29 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 10:20 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

معرض الجبل للفن برعاية حركة لبنان الشباب

GMT 05:18 2022 الأحد ,10 تموز / يوليو

خواتم ذهب ناعمة للفتاة العشرينية

GMT 20:25 2019 الثلاثاء ,23 تموز / يوليو

لم تعد القوات الأميركية قضية

GMT 05:12 2015 الأربعاء ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

مخطط الشر الذي يستهدف مصر!

GMT 16:22 2017 الخميس ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

فستان زفافك عام 2018 بتوقيع اللبناني كريكور غابوتيان

GMT 06:51 2014 الإثنين ,02 حزيران / يونيو

أحدث صيحات موضة الصيف لأناقة المرأة الممتلئة

GMT 12:23 2017 الجمعة ,08 أيلول / سبتمبر

عرض أزياء le jour au jour لشتاء 2018 مفعم بالترف

GMT 21:05 2019 الجمعة ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

مصر بطلًا لكأس الأمم الأفريقية للشباب تحت 23 عامًا

GMT 18:01 2016 السبت ,15 تشرين الأول / أكتوبر

"الزمردة الخضراء" يقدم لائحة جديدة من الأطباق المغربية
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon