نتنياهو أمامَ محكمة الرُّبع الأول

نتنياهو أمامَ محكمة الرُّبع الأول

نتنياهو أمامَ محكمة الرُّبع الأول

 لبنان اليوم -

نتنياهو أمامَ محكمة الرُّبع الأول

بقلم:غسان شربل

عاودت محكمة الرُّبع الأولِ من القرن اجتماعاتها. أمضى القضاةُ وقتاً طويلاً في تمحيصِ ملفِ المتَّهم. ملف عنيف ومخيف يذكّر بملفاتِ قساةِ الحرب العالمية الثانية. قلبُوا الأوراقَ ففاحت منها رائحةُ الدَّم. لمحُوا قوافلَ من الجثث الصغيرة. وبكاء أطفال تحتَ الخيام. لمحُوا بحراً من الرُّكام. شاهدُوا الأيدي التي تتسابقُ من أجل الفوز بكسرةِ خبز أو حفنةِ أرز.

لم يسبق لقضاة هذه المحكمة أن واجهوا متَّهماً من هذا النوع. رجل دخلَ موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية طافياً على نهرِ ضحاياه. لم يقتل أحدٌ من الفلسطينيين قدرَ ما قتل. يحسدُه آرييل شارون على ارتكاباته. كسرَ من العظام أكثرَ بكثير مما كسرَ إسحاق رابين قبل أن ييأسَ من القتل، ويصافحَ ياسر عرفات.

لم يقتل أحدٌ من القادة الفلسطينيين قدرَ ما قتل. ومن قادةِ «حزب الله». وجنرالات «الحرس الثوري» والجيشِ الإيراني والعلماءِ النوويين. وقادةِ «الحوثيين».

شعرَ القضاةُ بالخوف. هذا الرَّجلُ يقتل هنا وهناكَ وهنالك. لا يرفُّ له جفنٌ. يحتقر القانونَ الدوليَّ والحدودَ الدولية. لا حدود لحقدِه ويدُه طويلة. طائراتٌ لا ترحم. ومسيّراتٌ بارعةٌ في القتل. سرقَ الأرشيفَ النوويَّ من إيران. شطبَ حكومة الحوثيين. يتباهَى بقتل أمينينِ عامَّينِ لـ«حزب الله» في حفنةِ أيام.

هذا متَّهمٌ بالغ الخطورة. أستاذٌ في المناورة والمداورة. إذا اضطر إلى قبولِ وقف النار يفخّخ بنودَ الاتفاقات والتفاهمات. يحتفظُ لنفسِه بقطعةٍ من أرض عدوّه. ويحتفظُ بحقّ الاستمرارِ في القتل. وإذا أرغمَه دونالد ترمب على لجمِ جنونه الدمويّ يعتبر الأمرَ مجردَ استراحة قصيرةٍ بين حربين. دراسته في أميركا علَّمته مفاتيحَ الرَّقص مع الإدارات المتعاقبة على اختلافها.

لا حدودَ لوقاحته. يمكن أن يذهبَ إلى منبر الكونغرس لتحدّي رئيسِ القوة العظمى الوحيدة. السّلاح الأميركي سيفُه وترسُه لكنَّه لا يتصرَّف كتابع. يذهب بعيداً. ثم يتراجع. ليعاودَ الانقضاض. يرتكبُ المذابحَ، ويلبس ثوب الضحية. السلام بالنسبة له هو استسلام أعدائه من دون قيد أو شرط.

ارتبك القضاة. فاقت إقامة الرجل في مكتب رئيس الوزراء جميع أسلافه، ثم إنَّه منتخب. كأنَّه يملك تفويضاً شعبياً بالقتل. اتُّهم بالاختلاس وخيانة الأمانة وتلقِي رشًى. اتهامات تكفي لإسقاطِ صاحب المنصب لكنَّ ذلك لم يحدث.

يذهبُ إلى انتخابات فيعيده اليمينُ المتطرف إلى «مهمته». تتداوله المحاكم، ولا ينفضُّ أنصاره من حوله. يستأذن المحكمة في الخروج لسبب طارئ، ثم يتكشف أنَّه خرجَ لإصدار أمرٍ باغتيال أو غارة مدويّة. أستاذٌ في التَّضليل والمفاجآت. كانَ العالم منشغلاً بأهوال مشاهد غزةَ حين افتتح في المنطقة بؤرةً جديدة للتوتر. أعلنَ الاعتراف بـ«جمهورية أرض الصومال» التي لم يعترف بها أحدٌ. يريد الإقامةَ قبالة خليج عدن ومجاورة بابِ المندب. يريد الإطلالَ على الحوثيين من مكانٍ قريب.

دخل بنيامين نتنياهو قاعةَ المحكمة بربطةِ عنقٍ زرقاء. عدَّدَ له القاضي الاتهامات فردَّ مبتسماً. قالَ: «سيدي القاضي. غريبةٌ قصة هذه المحكمة. لم يخطر ببالِها أن تستدعيَ يحيى السنوار حين أطلقَ ما سمَّاه الطوفان. لم تحاول استدعاءَ حسن نصر الله حين بادرَ إلى إطلاق حرب الإسناد. انشغلت بمجريات الحربِ، ولم تسأل عمَّن أطلقَ الرصاصة الأولى فيها.

سيّدي القاضي. في يونيو (حزيران) 1976 خطفت جماعةُ وديع حداد طائرةً إلى عنتيبي في أوغندا على متنِها عددٌ من الإسرائيليين. قرَّر رئيس الوزراء إسحاق رابين عدمَ الرُّضوخ للخاطفين. أرسلَ لتحرير الرهائن قوةَ كوماندوس بقيادة شقيقي الضَّابط جوناثان نتنياهو. نجحت عملية تحريرِ الرهائن لكنَّ شقيقي قُتل. أقسمتُ أمام جثتِه أن أتبنَّى شعار حداد نفسِه وهو «وراء العدوّ في كل مكان» وهذا ما فعلته دائماً. ثم إنّني تعلمت من والدي المؤرخ أنَّ القدرَ حشرنا مع الفلسطينيين في مكان ضيق. مكان لا يتَّسع لشعبين ولا لعلمين ولا لدولتين. لهذا تعيش إسرائيلُ منذ ولادتها حربَ وجود مفتوحة. حرب وجود تكون فيها قاتلاً أو قتيلاً.

ذاتَ يوم خدع رجلٌ اسمه ياسر عرفات رجلاً اسمُه إسحاق رابين. تصافحا في حديقة البيت الأبيض. تظاهر عرفات بالقبول ببعضِ الأرض. استغلَّ أوسلو ليزرعَ على هذا التراب الضّيّق علماً فلسطينياً وكوفيةً فلسطينية. كانَ عرفات يريد مواجهةَ إسرائيل من داخل بيتها. كانَ يراهن على الوقت والتزايد السكاني. لا يستطيع إسرائيليٌّ أن ينسى أنَّ عرفات كانَ وراء الرَّصاصة التي أطلقت في منتصف الستينات، وأحيتِ الصراعَ على هذه الأرض الضيّقة التي لا تتَّسع لشعبين.

سيّدي القاضي. لا يعرف الأميركيون الشرقَ الأوسط. ولا يعرفه الأوروبيون. في هذا الجزء الصَّعب من العالم يرخي التاريخُ بثقله على الحاضر والمستقبل معاً؛ لهذا حين جاءَ قاسم سليماني لتطويق إسرائيل بالصواريخ والميليشيات عثرَ على حلفاء في خرائطَ عدة. لم يكن أمامِي غداةَ انطلاق «الطوفان» غير أن أردَّ عليه بطوفان من النار. أن أقلبَ المعادلةَ في الشرق الأوسط وأغيّر الملامح.

وها هي غزةُ بلا السنوار، و«حماس» مطالبةٌ بنزع سلاحها. ولبنانُ بلا نصر الله، و«حزب الله» مطالبٌ بنزع سلاحه. وسوريا بلا بشار الأسد، ومطالبةٌ بمنطقة منزوعةِ السلاح. أرسلتُ الطائرات، وعاقبتُ بلادَ سليماني، وثقبتُ هيبتَها. وسأرسلها مجدداً حين يقتضي الأمر. الضَّوءُ الأخضر من ترمب يأتي وإن تأخَّر». تجادل نتنياهو طويلاً مع القضاة حين سألوه عن الإبادةِ والتجويع والتهجير. استأذن فجأة بالانصراف. ربَّما لإصدار أمرٍ باغتيال أو شنّ غاراتٍ مدمرة.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نتنياهو أمامَ محكمة الرُّبع الأول نتنياهو أمامَ محكمة الرُّبع الأول



GMT 05:48 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

أزمات إيران تطرح مصير النظام!

GMT 05:46 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

هل ستستمر الجامعات في تدريس القانون الدُّولي؟!

GMT 05:44 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

ليلة القبض على العالم

GMT 05:42 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

اليمن وخيار صناعةِ الاستقرار

GMT 05:40 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

من «مونرو» إلى «دونرو»

GMT 05:39 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

قمة فلوريدا... لبنان حاضر كأزمة لا كدولة

GMT 05:37 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

هل نقاطع «السوشيال ميديا»؟

GMT 05:33 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

بلطجة أمريكية!

نادين نسيب نجيم تتألق بإطلالات لافتة في عام 2025

بيروت ـ لبنان اليوم

GMT 23:27 2021 الثلاثاء ,16 شباط / فبراير

تجاربك السابقة في مجال العمل لم تكن جيّدة

GMT 18:02 2025 الإثنين ,01 كانون الأول / ديسمبر

إسبانيا ترصد 8 حالات اشتباه بالإصابة بحمى الخنازير

GMT 18:43 2021 الخميس ,16 كانون الأول / ديسمبر

هدى المفتي تتعرض لانتقادات عديدة بسبب إطلالاتها الجريئة

GMT 15:59 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

تأجيل أولمبياد طوكيو يكلف اليابان 2 مليار دولار

GMT 17:32 2013 السبت ,13 تموز / يوليو

تحديث لتطبيق "Whatsapp" على" الويندوز فون"

GMT 11:28 2013 الجمعة ,19 تموز / يوليو

حظر مبيد حشري رابع فى إطار جهود حماية النحل

GMT 11:46 2019 الإثنين ,11 شباط / فبراير

تعرّف على "Corolla" الجديدة كليا من "تويوتا"

GMT 05:55 2019 الإثنين ,16 كانون الأول / ديسمبر

أسباب ودوافع النوم المبكر والاستيقاظ قبل ساعات الفجر

GMT 20:29 2025 الخميس ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

شن طيران الاحتلال سلسلة غارات على مدينة رفح جنوبي القطاع

GMT 22:22 2025 الإثنين ,06 تشرين الأول / أكتوبر

صيحة القفاز تفرض حضورها في إطلالات النجمات

GMT 16:30 2020 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

فساتين زفاف ناعمة وخفيفة للعروس لصيف 2020

GMT 21:10 2021 الأربعاء ,27 كانون الثاني / يناير

جنوب إفريقيا توافق على لقاح فيروس كورونا من "أسترازينيكا"

GMT 07:02 2016 الأحد ,21 شباط / فبراير

طرح أول سيارة "طائرة" للعامَة في غضون 8 أعوام
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon