من نفق غزةَ إلى نافذة نيويورك

من نفق غزةَ إلى نافذة نيويورك

من نفق غزةَ إلى نافذة نيويورك

 لبنان اليوم -

من نفق غزةَ إلى نافذة نيويورك

بقلم:غسان شربل

يفركُ بنيامين نتنياهو عينيهِ. لا يصدّق ما يرى. ولا يصدّق ما يسمع. كأنَّ العالمَ يقصفُه بقذائفَ لا يمكن ردُّها. يقصفُ جنونَه الدَّموي. وأحلامَه المتهوّرة. وأوهامَه الوافدةَ من كهوفِ التاريخ. آخرُ القذائفِ جاءته من كندا وأستراليا وبريطانيا. وللاعترافِ البريطانيّ مرارةٌ خاصة؛ فوعدُ ستارمر يخفف، إن تحقّق، العذاباتِ التي أنجبَها وعد بلفور.

يرتبكُ نتنياهو. لا يمكن إسكاتُ العالم. ولا يمكن إرسالُ الطائرات لتأديبه. سيطاردُه في تاريخه والتاريخ اليهودي أيضاً سؤالٌ موجعٌ. هل عجَّلت مغامراتُه وارتكاباتُه إيقاظ ضميرِ العالم فهبَّ لإشهار اعترافِه بالدولة الفلسطينية؟ لم يحدث أن تلقَّت إسرائيلُ القويَّةُ هذا السَّيلَ من الصفعاتِ الدبلوماسيةِ والسياسية.

لم يستطعِ العالمُ التعايش إلى ما لا نهاية مع مشاهد غزة. الأبراج التي تتوارى. البيوتُ التي تقتل مع ساكنيها. الخيامُ التي تحترق مع المحتمين بها. الجثث الصغيرة والقبور الصغيرة. طناجرُ الموت والخبز الغادر. وعذابات النزوح المتكرّر على شفير الجنازات. يكاد اليأسُ يستحكم؛ لهذا يلوذ المجروحون بالتاريخ. لم تنجح قوةٌ عاتيةٌ في قتل كلّ الناس. وفي اغتيال كلّ البيوت. وفي اقتلاع كل الأشجار. حلم المظلومين أعنف من صواريخ الطائرات. يستطيع الاختباء في عيني طفل. يكمن قليلاً أو طويلاً ثم ينفجر معبراً عن نفسه. وليس صحيحاً أنَّ ضميرَ العالم حجر. وأنَّ غيبوبتَه ستدوم إلى الأبد. ها هو العالم يدافع من نيويوركَ عن مبادئ الأمم المتحدة، ويكفكف دموعَ غوتيريش.

والقصة لا تعني فلسطين وحدَها بل تعني الشرق الأوسط برمته. تقول التجارب إنَّ الموضوعَ الفلسطيني هو الجرح الكبير المفتوح في الشرق الأوسط وإن كان يمكن الحديث عن جروح أخرى. قامت سياسة إسرائيل على محاولة إنكار وجود هذا الجرح. وعلى شطب حقّ الشعب الفلسطيني في المطالبة بأرضه أو بجزء منها. وها هي حكومة نتنياهو تواصل استغلال مجريات «طوفان السنوار» للإجهاز على مرتكزات بقاء الحلم الفلسطيني حيّاً عبر شطب غزة من الخريطة، وزعزعة استقرار الضفة وقضمها. استغلت إسرائيلُ وقوعَ «الطوفان» لإطلاق عملية ترمي إلى إعادة تشكيل بعض ملامح المنطقة خصوصاً المحيطة بها. ويفاخر نتنياهو علانية بإسقاط بشار الأسد، وطرد إيران من سوريا، وشطب حسن نصر الله من المعادلة، وباحتلال طائراته أجواء عدد من دول المنطقة. ووصلت الغطرسة الإسرائيلية حدَّ ارتكاب حماقة الإغارة على مقرات إقامة قادة «حماس» في الدوحة.

في موازاة مشاهد غزة سيلتفت أهل المنطقة، هذا الأسبوع، إلى مشاهدَ مهمةٍ في نيويورك. تشكل الرعاية السعودية - الفرنسية لمؤتمر «حل الدولتين» حدثاً بالغ الأهمية في مسار القضية الفلسطينية. ألقت القيادة السعودية بكامل ثقلها فتسارعت الاعترافات بالدولة الفلسطينية، وكان أبرزها في القارة الأوروبية ومن دول كبرى فيها. هذا التطور غير المسبوق يمكن أن يشكل رداً دولياً يرمي إلى إفشال محاولة إسرائيل دفن القضية الفلسطينية تحت ركام غزة.

ليس بسيطاً على الإطلاق أن تسلم دول اعتادت في العقود الماضية دعم إسرائيلَ، أو غض النظر عن ارتكاباتها بأنَّ السبيل الوحيد لوقف الحروب الإسرائيلية - الفلسطينية هو قيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل. والأمر أبعدُ من ذلك أيضاً. هناك التسليم بأنَّ الشرق الأوسط لن ينعمَ بالاستقرار ما لم تقم هذه الدولة. واستقرار الشرق الأوسط مسألة تعني دولَه وشعوبه، لكنَّها تعني أيضاً أوروبا والعالم، ذلك أن استقرار هذه المنطقة يؤثر في الدول الكبرى ومصالحها والاقتصاد العالمي واستقراره.

حل الدولتين هو المفتاح. وحده يمكن أن يعيد إسرائيل إلى إسرائيل. يعيدها إلى حدودها، ويعيد طائراتها إلى أجوائها، ويخرجها من ممارسات الغطرسة الإقليمية. ينزع فتيل الحروب الدائمة الطويلة، وينزع الموضوع الذي يمكن أن تتوكأ عليه المغامرات الإقليمية لإعادة تشكيل ملامح المنطقة. ورغم موقف واشنطن الحالي، فإن الثقل العربي والإسلامي والدولي الداعم لحل الدولتين سينجح في النهاية في إقناع الإدارة الأميركية أن لا سبيل لضمان حقوق الفلسطينيين وأمن إسرائيل معاً غير حل الدولتين. وتحتاج هذه المعركة الدبلوماسية والسياسية الكبيرة إلى الوقت والصبر، لكنها المعبر الإلزامي لإخراج الشرق الأوسط من النفق. حل الدولتين هو النافذة الوحيدة المتاحة للخروج من النفق وحروبه وأهواله.

ما سيجري في نيويورك مهم وتاريخي، لكنَّه بداية المسار. فبين الاعتراف بالدولة الفلسطينية وترجمته على أرض الواقع معركة قاسية ستدور داخل إسرائيل وداخل صفوف الفلسطينيين وعواصم أخرى، خصوصاً في الولايات المتحدة نفسها. بعث العالم برسالة صريحة. شطب الحق الفلسطيني مستحيل. لا يُرسم مستقبل الشعوب بقذائف الطائرات. يُرسم باحترام الحقوق والقانون الدولي. ما سيجري في نيويورك هو المدماكُ الأول. لا بدَّ من إرغام حكومة نتنياهو على وقف النار. والقبول بالذهاب إلى طاولة مفاوضات. والبحث في الحدود والضمانات. ولتحقيق ذلك لا بدَّ من إقناع واشنطن بأن الوقت حان لإغلاق الجرح الفلسطيني على قاعدة العدالة.

لا خيار أمام إسرائيل غير الاستقالة من القاموس الانتحاري لنتنياهو. المزيد من القتل في غزة يعمق إقامة إسرائيل في النفق. حوَّل الجيش الإسرائيلي غزةَ بحراً من الركام، لكنَّ الحلم الفلسطيني أطلَّ مجدداً من ركامها. ولا خيار أمام الفلسطينيين غير الانخراط في معركة حل الدولتين وفق قاموس الشرعية الدولية. الخروج من النفق إلى النافذة يستلزم خيارات صعبة ومؤلمة، ولكن لا بدَّ من اتخاذها. الدولة أهمُّ من الفصائل.

ذاتَ يوم اختار ياسر عرفات العودة إلى بعض الأرض. كأنَّه كان واثقاً بأنَّ آلة القتل الإسرائيلية لن تستطيعَ اقتلاع كل البيوت وجميع الأطفال لهذا كان يردد: «إنَّ الدولة على مرمى حجر».

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من نفق غزةَ إلى نافذة نيويورك من نفق غزةَ إلى نافذة نيويورك



GMT 06:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كيف ستكون إيران؟

GMT 06:07 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

حمص كافكا

GMT 06:05 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

GMT 06:03 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بلح مصر وتمر إسرائيل

GMT 06:01 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

رياح التَّغيير العالمية... قراءة في وثائق

GMT 06:00 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

«البنتاغون»... نهاية التوسع الإمبراطوري المفرط

GMT 05:56 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

إشارة يمين مع إيران

GMT 05:55 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

بريطانيا على رأسها ريشة!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 15:04 2023 الأحد ,07 أيار / مايو

الأطفال في لبنان بقبضة العنف والانحراف

GMT 22:37 2021 الثلاثاء ,02 شباط / فبراير

تعافي زيدان مدرب ريال مدريد من فيروس كورونا

GMT 21:41 2022 الأحد ,10 تموز / يوليو

تسريحات شعر قصير للعروس في 2022

GMT 18:03 2021 الجمعة ,17 كانون الأول / ديسمبر

تصاميم ساعات بميناء من عرق اللؤلؤ الأسود لجميع المناسبات

GMT 11:27 2025 الجمعة ,03 تشرين الأول / أكتوبر

تحضير بخاخ ماء الورد للعناية بالبشرة والشعر

GMT 10:36 2013 الخميس ,28 آذار/ مارس

بيبر: أنا لست كاملاً وسبب أخطائي هو صغر سني

GMT 20:59 2013 الثلاثاء ,16 تموز / يوليو

مصر عاشت سنة كبيسة مع "الإخوان"

GMT 16:44 2024 السبت ,13 إبريل / نيسان

طرق كلاسيكية وخالدة للرجال للارتقاء بالمظهر

GMT 19:41 2021 الجمعة ,17 كانون الأول / ديسمبر

اعلاميون لبنانيون يتعرضون لحادث سير مروع ويواجهون الموت

GMT 03:24 2013 الأحد ,27 كانون الثاني / يناير

ليل مصر طويل

GMT 06:02 2017 الإثنين ,30 تشرين الأول / أكتوبر

الفريق محمود حجازى
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon