حين تصبح صداقة واشنطن أكثر كلفة على إيران من عداوتها

حين تصبح صداقة واشنطن أكثر كلفة على إيران من عداوتها!

حين تصبح صداقة واشنطن أكثر كلفة على إيران من عداوتها!

 لبنان اليوم -

حين تصبح صداقة واشنطن أكثر كلفة على إيران من عداوتها

بقلم - عريب الرنتاوي

من يقرأ شروط مايك بومبيو الاثني عشر التي عرضها على إيران لتطبيع العلاقات معها، يدرك أن وراءها رغبة حقيقية في “تغيير النظام” وليس في تغيير سلوكه وسياساته فقط ... فإن قبلت القيادة بها، قامرت بـ”شرعيتها” و”سردياتها” وكل عناصر اقتدارها كقوة إقليمية ناشئة، ووضعت نفسها على سكة التداعي والتفكك ... وإن هي رفضتها، غامرت بتعريض اقتصادها لـ”السحق”، وأنيابها ومخالبها بالتقليع والتقليم.

بومبيو “لم يترك للصلح مطرحاً”، ولم يبق عليه سوى أن يطلب من “الولي الفقيه” استبدال زي “المرجعية” ببذلات جورجيو أرماني، ومن الشيخ حسن روحاني، ارتداء الجينز وقبعات الكاوبوي الأمريكي، والتسكع في شوارع القدس، “العاصمة الأبدية الموحدة” لإسرائيل، باعتراف أمريكي متفرد ونشاز.

كلفة قبول إيران بصداقة أمريكا، بعد الانصياع لهذه الشروط التعجيزية المذّلة، تبدو بكل المعايير والمقاييس أعلى بكثير من كلفة المقامرة بالعداء لها، وهي البلد الكبير، الضاربة جذوره في عمق الحضارة والتاريخ، وهي التي قارعت واشنطن لأربعة عقود متتالية، جرّبت خلالها مختلف الأدوات والأسلحة الأمريكية، من الحرب المباشرة (1980 – 1988) إلى حروب الوكالة المفتوحة في المنطقة، مروراً بمختلف أشكال العقوبات والحصار والعزلة والتدخل في شؤونها الداخلية.

وربما لهذا السبب بالذات، لم يأخذ القادة الإيرانيون، بمن فيهم الإصلاحيون، وقتاً طويلاً للرد على استراتيجية ترامب – بومبيو الجديدة حيال بلادهم، إذ قوبلت بالرفض والاستنكار الفوريين، والاستعداد لقبول التحدي الأمريكي، والدخول في مرحلة جديدة، مريرة ومديدة، من المواجهات في ميادين التجارة والمال والاقتصاد، وحروب “الوكالة” و”الأصالة” على امتداد الإقليم.

في الحديث عن دلالات السياق والمكان لخطاب بومبيو، نذكّر بأنه يأتي تتويجاً لسلسلة من المواقف العدائية لطهران، بدأت في الحملة الانتخابية الرئاسية، وتواصلت بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض، مروراً بالانسحاب من الاتفاق النووي وافتتاح السفارة الأمريكية في القدس، وهو أول خطاب استراتيجي جامع لأهداف السياسة الأمريكية حيال إيران وأدواتها ووسائلها، وقد اختار “الهيريتج فاونديشين” منصة لإطلاقه، بوصفها الذراع البحثي – الفكري لليمين الأمريكي المحافظ، الذي لا يكف عن تغذية مراكز صنع القرار اليمينية، بفائض من الأفكار والمبادرات والسياسات والاستراتيجيات.

وهو خطاب غير مسبوق، من حيث نبرته العدائية وحدته الهجومية منذ انتصار الثورة الإسلامية قبل أربعة عقود وأزمة الرهائن، ولا أذكر شخصياً، أن أيا من الإدارات الجمهورية والديمقراطية المتعاقبة، جاءت بخطاب ينضح بكل هذه العدائية والاستعداء ... استخدمت فيه كلمة “السحق” أكثر من غيرها من الكلمات الدالة على عمق الكراهية لإيران وحلفائها ... فيما شروطه الاثني عشر، لا تبقي لإيران من تطلعاتها وعناصر قوتها وأدواتها، أي شيء على الإطلاق، وتحولها إلى “جمهورية موز” تدور في الفلك الأمريكي فحسب، ومستتبعة لإسرائيل.

البعض استنتج أن الخطاب بما انطوى عليه من سقوف مرتفعة للمطالب، إنما يقصد به فتح باب تفاوض جديد مع إيران، ولكن من نقطة عالية، استناداً لما ورد فيه من استعدادات أمريكية لإبرام معاهدة (وليس اتفاقا) مع إيران، حول برنامجها النووي وسلاحها الصاروخي ودورها الإقليمي ومواقفها من حلفاء واشنطن، إلى غير ما هنالك ... لكن إيران، بخبرتها المتراكمة، وتحديداً خبرات جيرانها، تدرك تمام الإدراك، أن فتح الباب للتفاوض على هذه الشروط، سوف يولد المزيد منها، وأن استباحة إيران تماماً، هي أقل ما يمكن أن تنتهي إليه مفاوضات من هذا النوع، وأن انتقالها إلى معسكر واشنطن وإسرائيل، هو نهاية مطاف هذا المسار التفاوضي ... شروط بومبيو ولغته ومفرداته، لا تصلح حتى كمدخل للمفاوضات، مع بلد كبير مثل إيران، اشتهر باعتداده الكبير بإرثه وتاريخه، وكبريائه الوطني العالي.

والحقيقة أن بومبيو في خطابه الجامع، لم يبق بابا مفتوحاً لمعالجة أي من أزمات المنطقة، بل ولم يأت على ذكر الحلول السياسية – التفاوضية لأي من هذه الأزمات المفتوحة... فالمطلوب من إيران، ومن إيران وحدها، أن تنسحب من سوريا، وأن تكف عن التدخل في اليمن والعراق، وأن توقف دعمها للحوثيين وطالبان.

على إيران، أن تقبل بصك الإذعان هذا، وبعد ذلك لكل حادث حديث... كل ذلك نظير وعود لفظية، لا يضمن بومبيو ذاته، قدرته على تنفيذها أو الوفاء باستحقاقاتها، أو حتى بقائه في منصبه لحين الانتهاء من إتمام خطواتها ومراحلها، في إدارة “عالمثالثية” بامتياز.

لكن مشكلة ترامب – بومبيو مع “خريطة طرقهما” الجديدة ضد إيران، أنها تفتقر للأدوات والوسائل الكفيلة بإنجاز مراميها، فواشنطن اليوم في وضع أضعف مما كانت عليه قبل إبرام الاتفاق النووي مع إيران، لجهة قدرتها على فرض نظام عقوبات دولي صارم، بتفلت أوروبا وصعود روسيا والصين ... وواشنطن ليست بوارد حرب شاملة ثالثة في المنطقة، وهي غير مستعدة لها ..، ولإيران “منازل كثيرة” في دول عديدة، بنتها بنفس طويل، وصبر وأناة، طوال أزيد من ثلاثة عقود، وهيهات أن تنجح واشنطنx، في اقتلاعها وتدميرها ... وقد يغادر بومبيو منصبه، وربما يخرج رئيسه من بيته الأبيض، قبل أن تتاح لهما فرصة الاحتفال بتحقيق أهداف الاستراتيجية الجديدة، كما دللت على ذلك تجارب السياسة الأمريكية في المنطقة، طوال العشرين سنة الفائتة.

المصدر :جريدة الدستور

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حين تصبح صداقة واشنطن أكثر كلفة على إيران من عداوتها حين تصبح صداقة واشنطن أكثر كلفة على إيران من عداوتها



GMT 14:27 2019 الجمعة ,21 حزيران / يونيو

وفاة الحلم الياباني لدى إيران

GMT 14:24 2019 الجمعة ,21 حزيران / يونيو

المواجهة الأميركية مع إيران (١)

GMT 05:35 2019 الخميس ,20 حزيران / يونيو

موسكو في "ورطة" بين "حليفين"

GMT 05:32 2019 الخميس ,20 حزيران / يونيو

(رحيل محمد مرسي)

GMT 05:28 2019 الخميس ,20 حزيران / يونيو

ضرب ناقلات النفط لن يغلق مضيق هرمز

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 13:52 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الميزان الأحد 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 07:00 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

أفضل 5 مطاعم عربية يمكنك زيارتها في برلين

GMT 23:07 2018 السبت ,23 حزيران / يونيو

بيت الشجرة يمثل الملاذ المثالي لرؤية الطبيعة

GMT 00:39 2018 الإثنين ,07 أيار / مايو

مصر وأمريكا أكبر من 300 مليون دولار

GMT 09:39 2014 الأربعاء ,06 آب / أغسطس

نقشة النمر هي الصيحة الأقوى في موسم 2015

GMT 02:25 2021 الإثنين ,25 كانون الثاني / يناير

لأنك تقضين وقتًا في المطبخ.. اجعليه مكانًا مبهجًا!

GMT 17:16 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

إلغاء بطولة العالم للشابات في كرة اليد فى لبنان

GMT 00:52 2019 الخميس ,24 كانون الثاني / يناير

جزر المالديف في رحلة العمر وشواطئ رائعة للسباحة

GMT 14:27 2016 الأربعاء ,19 تشرين الأول / أكتوبر

القبض على مسلح احتجز 15 شخصًا في مركز تسوق في بروكسل

GMT 17:26 2019 الثلاثاء ,01 تشرين الأول / أكتوبر

برنت يحوم حول 60 دولاراً بفعل الحرب التجارية وبيانات صينية

GMT 14:48 2020 الإثنين ,28 كانون الأول / ديسمبر

اتيكيت "الضحك" آدابه وقواعده الأساسية
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon