بقلم:د. وحيد عبدالمجيد
كنت أقلب فى مكتبتى قبل أيام عندما لمحت كتابًا مهمًا لم يأخذ حظه فى الانتشار والذيوع رغم أن مؤلفيه توقعا قبل أكثر من ثلاثة عقود ما يحدث الآن فى العالم. إنه كتاب الزوجين ألفن وهايدى توفلر «بناء حضارة جديدة» الصادر عام 1996. فكرة الكتاب الأساسية هى أن البشر اجتازوا خلال تاريخهم الطويل موجتى تغيير كبريين غيَّرت كل منهما ما سبقها وجاءت بأساليب حياة جديدة تمامًا. موجة التغيير الأولى التى ارتبطت بزراعة الأرض احتاجت نحو عشرة آلاف عام لكى تكتمل. أما الموجة الثانية الصناعية فقد احتاجت أقل من ثلاثمائة عام. وتوقع الزوجان توفلر قبل ثلاثة عقود أن تكون موجة التغيير الثالثة أسرع وأكثر تأثيرًا فى أنماط الحياة وتشكيل وجه الحياة على الأرض. ومن أهم ما توقعاه أن الثورة الكوكبية المرتبطة بما اعتبراها موجة تغيير كبرى ثالثة ستجعل العالم مليئًا بالهياج والاضطراب والعنف، فى إطار حالة من الارتباك وفقدان الاتجاه. فقد لاحظا فى وقت مبكر أن نوعًا من الدوار يصيب بلاد التكنولوجيا الأكثر تقدمًا مصحوبًا بأشكال من التوتر الاجتماعى والصراعات الجديدة المختلفة عما عرفه البشر فى الموجتين الأولى الزراعية والثانية الصناعية. وربطا ذلك بما سمياه انطلاق موجات سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة وغريبة تتجاوز خطوط التقسيم المألوفة بين الطبقات والأجناس والأحزاب. وكتبا أن الصراع الأساسى الذى يواجهه العالم فى ظل موجة التغيير الثالثة سيكون مرتبطًا بثورة الاتصالات فى ظل ما اعتبراه توسعًا بلا حدود لثقافة الكومبيوتر التى تتجاوز كل ما سبقها وتُغرق العالم فى فيض من المعلومات المتزايدة بلا حدود. فإذا كانت عوامل الإنتاج الأساسية فى اقتصادات الموجة الثانية هى الأرض والعمل والمواد الخام ورأس المال، فإن المعرفة هى المورد المركزى لاقتصادات الموجة الثالثة بما تشمله من بيانات ومعلومات وصور ورموز وثقافة وقيم. والمهم فى هذا كله هو أن المؤلفين حذرا بوضوح من أن الاندفاع لبناء المستقبل فى موجة التغيير الثالثة قد يُدخل العالم فى حالة من الهياج والاضطراب تفتح الباب أمام قوى الطغيان التى تملك عنفوان السلاح وسطوة المعلومات فى آن معًا.