هل يمكن إعادة الأمانة للشعب

هل يمكن إعادة الأمانة للشعب؟

هل يمكن إعادة الأمانة للشعب؟

 لبنان اليوم -

هل يمكن إعادة الأمانة للشعب

طلال عوكل
بقلم : طلال عوكل

لا أعتقد أن ثمة جدلا حول تقييم الوضع العام لفلسطين والفلسطينيين وقضيتهم وأحوالهم العامة والخاصة. قد تتباين الآراء حول مدى سوء الأحوال وخطورة المرحلة، وعظم المصاب في هذه المرحلة ولكن أدّعي أن هناك توافقا إجماعيا بأن القضية وأهلها وفصائلها تمر في أزمة عميقة، بعمق الأزمة التي تضرب المشروع الوطني، وأحلام الفلسطينيين الصغيرة والكبيرة، وحتى أنها تضرب قيماً في العمل الوطني لشعب يبحث عن حريته واستقلاله.

محدودة المناسبات التي تستحق أن يحتفل بها شعبنا الذي تطفح صفحات كتابه بالمآسي من كل نوع. ولكن حتى حين تمر مناسبة كالذكرى الثالثة والثلاثين للانتفاضة الشعبية الكبرى، فإن الجميع يرفض أو يمتنع عن استثمارها، والتعامل معها بما يليق أو بما يزرع الأمل من جديد.

استمرت الانتفاضة لخمس سنوات، وكان من الممكن أن تتواصل لسنوات أخرى، لولا الاستعجال في استثمارها، ولم يكن الاستثمار جيداً على كل حال. الانتفاضة التي نقلت منظمة التحرير والفصائل، والكفاح الفلسطيني، إلى مرحلة استعادة القوة والمكانة، بعد ضعف شديد، وأزمات عميقة ومتتالية، فضلاً عن أنها قلبت الرأي العام الشعبي والرسمي العربي، نحو التأييد والدعم والتضامن مع القضية الفلسطينية وشعبها.

لسنا بصدد تقديم مطالعة تقييمية شاملة وعميقة لتلك الانتفاضة المجيدة، فربما يحتاج ذلك إلى غسان كنفاني، أو شخصية تقاربه من حيث سعة وعمق آفاق التفكير، لكنها كانت الأعظم، والأقوى والأشمل، والأطول في تاريخ نضال الشعب الفلسطيني، والأكثر تأثيراً في السياسة.

يجتهد الباحثون في تحديد الأسباب والدوافع التي أدت إلى اندلاع تلك الانتفاضة الشاملة، ولكن حذار أن يتم الانطلاق من قاعدة الوضع الاقتصادي للناس أو حتى من أن استشهاد أربعة عمال فلسطينيين يمكن أن يكون السبب.

إن استشهاد العمال الأربعة كان فتيل تفجير الانتفاضة، لكن أسبابها تعود إلى عمق الوطنية الفلسطينية وعمق الالتزام بالكرامة والهوية، والرغبة الجامحة في تحقيق الحرية والاستقلال.

الأوضاع الاقتصادية للفلسطينيين قبل الانتفاضة، كانت جيدة، فالعمل متوفر، ومصادر الدخل، وحرية الحركة، حتى أن التلاميذ كان بإمكانهم الحصول على عمل خلال أيام الإجازات المدرسية. ووفق شهادات عديدة، من قبل أناس عاشوا مرحلة ما قبل الانتفاضة، فإن الفلسطينيين كانوا يعربدون على الإسرائيليين وسط مدنهم وتجمعاتهم، وكان بإمكان الفلسطينيين أن يتحركوا ويتنقلوا بسهولة في كل ارض فلسطين التاريخية.

الهزائم العربية في الحروب مع إسرائيل كانت ثقيلة الوطأة وشديدة التأثير في مسار البحث عن التحرر الوطني، لكنها أعادت توحيد الشعب الفلسطيني المتواجد على كل أرض فلسطين التاريخية، ووفرت مناخات التواصل الاجتماعي والسياسي والقيمي، ووضعت الصراع على سكته الموضوعية من حيث انه نضال كل الشعب الفلسطيني من أجل تحرير كل أرض فلسطين التاريخية.

لقد وضعت الانتفاضة طرفي الصراع وجهاً لوجه، ليثبت أي منهما جدارته في الحياة ويفصل في موضوع الحق.
وبرأينا فإن الشعب الفلسطيني عشية الانتفاضة، كان قد راكم الغضب على ما آلت إليه منظمة التحرير والنضال الفلسطيني بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، حتى احتل عاصمته، وأيضاً على الدور العربي المتخاذل والمتساوق مع الاحتلال الإسرائيلي.

لكأن العرب الرسميين كانوا ينتظرون فرصة إلقاء عبء منظمة التحرير، والقضية عن كاهلهم، فلم يذرف أحد من الزعماء العرب دمعة على ما آلت إليه أوضاع الثورة الفلسطينية.

لقد ظهر ذلك جلياً خلال القمة العربية التي عقدت في عمان قبل أشهر من اندلاع الانتفاضة التي جاءت رداً على محاولات بعض الأنظمة لإقصاء المنظمة عن مقعدها في القمة. كان الشعب الفلسطيني في الداخل قد طفح به الكيل، حتى لم يعد يحتمل المزيد من الضعف والخذلان العربي والتجاهل الدولي، ولم يكن أبداً للأمر علاقة بقيم الثأر الاجتماعي والرغبة في الانتقام.
والانتفاضة كانت عملاً شعبياً سلمياً خالصاً، حتى أصبحت نموذجاً انتشرت وسائل تعبيرها على مستوى العالم، وحفرت اسمها في لغات العالم كله.

حين يجري الحديث عن دروس الانتفاضة، يخطر على البال أنها أكدت مدى أهمية وحدة الشعب، ووحدة فصائله، خاصة حين نستذكر ما يعاني منه الشعب من انقسام خطير منذ أكثر من أربعة عشر عاماً.

في الحقيقة، فإن الشعب كان موحداً بكامل قواه داخل وخارج أرض فلسطين التاريخية، لكن على مستوى الفصائل فإن الانقسام كان موجوداً، وتمثل في وجود قيادتين وبرنامجين للانتفاضة واحدة باسم القيادة الوطنية الموحَّدة، والأخرى للحركة الإسلامية.

التضارب كان موجوداً في برامج النشاطات اليومية لكن ذلك لم يترك أثراً سلبياً بالقدر الذي ينال من المشهد الوحدوي، لأن الشعب هو قاعدة الوحدة. ميزان القوى الداخلي الفلسطيني حينذاك كان لصالح منظمة التحرير وفصائلها التي انضوت تحت القيادة الوطنية الموحَّدة الأمر الذي لم يترك فرصة لاستنزاف القوى في صراعات داخلية رغم وجود مشكلات وتضاربات كما يحصل في هذه الفترة، تنقسم الفصائل، وينقسم المجتمع، وتنقسم السلطات، وتنقسم الأهداف والدوافع، وتنقسم الجغرافيا على محدوديتها، وما أن يلوح بصيص الأمل باستعادة الوحدة، حتى يتبدد سريعاً، لتعود الأوضاع إلى أصولها من الصراع وتبادل الاتهامات والتحريض والحدّ من الحريات.

لقد تعايش الطرفان الوطني العلماني والإسلامي خلال مرحلة الانتفاضة وتمكنا من التوصل إلى الحد الأدنى من التوافق، فهل يمكن أن يجد الطرفان حلولاً مبدعة للانقسام الجاري أم ان اختلال موازين القوى بين الطرفين لا يسمح بذلك؟

ندرك أن الظروف قد تغيرت، ومن غير الممكن إسقاط العوامل الفاعلة خلال الانتفاضة، بالتي تحيط بالفلسطينيين وقضيتهم، اليوم، لكن الوحدة والوطنية تبقيان فوق كل القيم، والتبدلات والعوامل المؤثرة.

لقد كان لضعف الثقة بإمكانية مواصلة الشعب الفلسطيني انتفاضته، وبالتالي الاستعجال في تحقيق الاستثمار السياسي، دور أساسي فيما آلت إليه الأوضاع التي جاءت بعد توقف الانتفاضة، فهل يمكن لقيادات العمل الوطني بكل أطيافها، اليوم، أن تعيد الأمانة للشعب، وأن تستعيد الثقة بقدرته على تجاوز المحن والأزمات التي فشلت القيادات في تجاوزها؟

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل يمكن إعادة الأمانة للشعب هل يمكن إعادة الأمانة للشعب



GMT 19:34 2025 الأربعاء ,12 آذار/ مارس

مسلسلات رمضان!

GMT 11:05 2025 الإثنين ,10 آذار/ مارس

ريفييرا غزة!

GMT 19:57 2025 الخميس ,20 شباط / فبراير

من «الست» إلى «بوب ديلان» كيف نروى الحكاية؟

GMT 08:38 2025 الأحد ,09 شباط / فبراير

اختلاف الدرجة لا النوع

GMT 19:29 2025 الأربعاء ,05 شباط / فبراير

الكتب الأكثر مبيعًا

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 17:53 2020 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 21:09 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

يحالفك الحظ في الايام الأولى من الشهر

GMT 21:25 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 00:13 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج السرطان الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 13:47 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أجواء إيجابية لطرح مشاريع تطوير قدراتك العملية

GMT 20:36 2021 الإثنين ,08 شباط / فبراير

التفرد والعناد يؤديان حتماً إلى عواقب وخيمة

GMT 20:29 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

النوم 7 ساعات يحمي كبار السن من مرض خطير

GMT 14:59 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

عليك أن تتجنب الأنانية في التعامل مع الآخرين

GMT 14:02 2020 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 26 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 20:44 2019 الثلاثاء ,26 شباط / فبراير

الدوري السعودي يشهد إقالة 15مدربًا هذا الموسم

GMT 15:25 2016 الخميس ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

برج الثعبان.. عاطفي وحكيم وعنيف في بعض الأوقات

GMT 17:50 2018 الثلاثاء ,24 تموز / يوليو

في نسف الثّقافة..

GMT 20:11 2022 الخميس ,21 تموز / يوليو

هواوي تعلن رسميا إطلاق لاب توب Huawei MateBook 14

GMT 05:36 2021 الثلاثاء ,05 كانون الثاني / يناير

الترجي التونسي يوثق مسيرة "قلب الأسد" في ذكرى وفاته
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon