سياسة العضّ على إصبع الوطن

سياسة العضّ على إصبع الوطن

سياسة العضّ على إصبع الوطن

 لبنان اليوم -

سياسة العضّ على إصبع الوطن

د.مصطفى علوش
بقلم : د.مصطفى علوش

«ولي بين الضلوع دم ولحم

هما الواهي الذي ثكل الشبابا

ولو خلقت قلوب من حديد

لما حملت كما حمل العذابا

فمن يغتر بالدنيا فإني

لبست بها فأبليت الثيابا

فلو طالعت أحداث الليالي

وجدت الفقر أقربها انتيابا

وأنّ الشرّ يصدع فاعليه

ولم أرَ خيراً بالشر آبا»

(أحمد شوقي)

في العرب ثلاثة شعراء رأيتهم الأكثر بلاغة، وقد يزيد البعض عليهم حسب مزاجهم في الأدب، لكنني وجدت عظمة الشعر في المتنبي وسعيد عقل وأحمد شوقي. فالثلاثة كانوا متعاظمي الذات الى درجة الخروج من ذواتهم، للإبحار في سماء الكلمات والمعاني. وكما يقول الفيلسوف مارتن هيدغر، فإنّ الشعر هو أعلى مستويات التعبير في اللغة. وفي الأبيات التي انتقيتها من قصيدة «سلوا قلبي» التي غنّت بعضاً منها أم كلثوم، رأيت واقع لبنان اليوم بأبنائه اليتامى والثكالى من شبابهم الذي حُرموا منه، يوم قرّر بعض المتحصنين في «البنكر» بأن يصدروا أوامرهم من بنات شفاههم، ليرسلوهم إلى القتل والموت دفاعاً عن أساطير ما هي إلّا بنات أفكار تسعى للسيطرة، تقودها شهوة السلطة. فمن يغتر بالدنيا، فقد جرّب غير الملبس هذا اللباس ولم يجنِ إلّا العذاب والفقر وعذاب الضمير، فليس للشرّ طريق للخير، حتى وإن كان الخير مقصده، والحرب هي السبيل إلى الموت وليست وسيلة لإحلال السعادة، على رغم من أنّ فقدان السعادة قد يهون الموت غرقًا مثلًا كما حدث منذ أيام في رحلة الموت البحرية، أملًا في السعادة في الحياة.

لا أسعى في ما قلته إلى التفلسف، ولكن الفلسفة قد تكون الملاذ الوحيد للخروج تساميًا على حال الضيق الذي يخنقنا في واقعنا ووقيعتنا. لكننا علينا أن نعود إلى الواقع، حتى نحلّل ونبحث عن مخارج من حال الضيق الخانق والمُطبق على أنفاسنا.

عقدة الساعة هي مسألة وزارة المال وتخصيصها لطائفة من دون أخرى، كعنصر توازن مذهبي طائفي، يطالب به أولياء أمر الشيعة في لبنان، في لعبة عضّ الأصابع، ولكن ليس على إصبع الآخر الشريك والغريم في الوطن، بل على الوطن نفسه، ظنًا أنّ غيرة الآخر على البلد ستدفعه، كما دفعته سابقًا، إلى التخلّي عمّا يتمسّك به. لكن اليوم يعتقد من سقط سابقًا في لعبة عضّ الأصابع أنّه فقد كل أصابعه، لا بل أحرقها كلها في نار التنازلات.

في أواسط الثمانينات من القرن الماضي، صرّح المفتي الجعفري الممتاز يومها الشيخ عبد الأمير قبلان بما يلي: «نحن مارد خرج من القمقم ولن نعود إليه»، وفي يومها، وأنا اليساري الذي كان يتبنّى مشروعية مطالبة أهل الجنوب والبقاع والهرمل برفع الظلم، بالعزم ذاته الذي دفعني الى رفع مظلومية بقية الأطراف المهملة في الوطن، توجست نوعاً من الخشية على تضييع ما هو حق وطني وانساني في دهاليز مذهبية.

كانت أيام الأحلام اليسارية، التي كان شيعة لبنان أبطالها الميامين في النضال والتضحية لحقوق المحرومين في لبنان، من مزارعي التبغ في الجنوب إلى الرازحين تحت نير الإقطاع المقنّع في الشمال. كان ذلك إلى أن سقط أبطال هذا النضال، مثل مهدي عامل، ضحايا للأسطورة التي تلبّست بعباءة الحرمان لتجعل من أبطال الملاحم المطلبية الوطنية الإنسانية الجامعة، مجرد ضحايا لمشروع أسطورة مذهبية ما زالت تحفر في صدور الناس، من خلال ما هو غامض ومبهم في تاريخ يُسأل عنه أصحابه يومها، ولا يمكن أن يكون سبباً للموت أو القتل بعد قرون طويلة، تداخلت فيها التواريخ والفرضيات والاجتهادات الدينية والفقهية والسياسية والاجتماعية التي ضيّعت الجوهر وبقي منها فقط المظاهر القاتلة.

الحاضر والمستقبل لا يمكن فصلهما عن الماضي، فحيّز البشر هو الماضي والحاضر والمستقبل معاً. لكن المهم أن نعود إلى الجوهر، وجوهر البشر هو في سعيهم للاستقرار حتى في عزّ النزاع. واليوم نتواجه مع إمكانية الزوال العدمي كوطن، وقد يكون البعض يسعى إلى ذاك الزوال، مع أنّ البدائل لا تزال غامضة، وقد لا تحصل من دون دروب جلجلة بالغة القسوة يمكننا تجنّبها من خلال الحوار والتفاهم، بدل اللجوء إلى فتح أبواب الجحيم والتهديد بفائض القوة في العضّ على الأصبع في وقت الحشرة هذا.

مع أنني أعتقد أنّ دستور «الطائف» قد يكون أفضل ما يمكن أن نستند إليه للحفاظ على وحدة بلد يصعب تقسيمه، لكن الدستور نصٌ وضعه بشر في لحظة من الزمن كان لها أسبابها وضروراتها. ولكن الضرورة الأكبر كانت يومها إنهاء ملف الحرب الطويلة. واليوم علينا أن نعترف أنّ تلك الحرب استمرت، وإن بأشكال أخرى، وما اغتيال الزعماء والقادة والغزوات في شوارع العاصمة بمختلف أشكالها، إلّا نوع من الحرب الأهلية التي يستفيد طرف واحد من تفوقه فيها، مستنداً إلى القدرة على عضّ الأصابع، وضعف الآخرين. هذا لا يعني أنني لا أتفهّم المطالب المطروحة اليوم على المستوى المذهبي، وقد يكون ما يحق أكثر من ذلك. لكن الأمر يجب أن يكون على البارد، ومن خلال تفاهم وطني توضع فيه كل الأمور على الطاولة بلا مواربة. فمسألة السلاح المرتبط بإيران هي أولها، وقضية الفيدرالية المتلبسة بمشروع اللامركزية الموسعة ثانيها، ولمَ لا تُطرح مسائل أكثر جدّية، وهي هل المذاهب والطوائف قادرة على العودة الى وطن جامع أم لا؟ فإن كانت المشاريع المذهبية والطائفية لا تتناسب، أو لا تطيق التعددية، فلِمَ لا نطرح بدائل غير تعددية بشكل صريح بدلاً من العضّ على الأصابع؟ وعندها فمن يختار أن يستمر وطنه الصغير في كونه منصّة صواريخ فهو خياره الذي لا يجبر الآخرين على تحمّله معه. ومن يريد أن يستحصل على الشهادة من المدرسة أو الجامعة لا يكون مجبراً على الشهادة في الموت من أجل موضوع لا يعني له شيئاً.

ومن يريد أن يبني للمستقبل في مشروع اقتصادي أو مالي، لا يُجبر على أن ينكسر ويفتقر، لأنّ آخرين يفضّلون الكرامة على الاستقرار. يعني في اختصار، إنّ التعددية تعني التسويات، والتسويات لا تصمد إلاّ إذا كانت النتيجة مقبولة لدى كل أطرافها.

وبدلاً من الذهاب إلى مزيد من الموت والانهيار، في انتظار كارثة مرفأ جديدة أو عبّارة تغرق بركابها في موسم شتاء آتٍ، علينا الاستفادة من النافذة الفرنسية بلا مضاربة. ومن بعدها، فلنطرح ما أمكن في المؤتمر الوطني، أو حتى في مجلس النواب، بدلاً من الاستمرار في عضّ الأصابع. فلو فرضنا مثلاً أنّ الثنائي الشيعي عيّن وزراءه في الحكومة المقترحة، فهذا يعني حكماً أنّ الأحادي المسيحي، أي جبران باسيل، سيعيّن على الأقل خمسة وزراء من السبعة، وبالتالي سيحصل على الثلث المعطل حكماً، وبالتالي نعود إلى التعطيل. وهذا يعني ضرب كل مبادرة مطروحة اليوم لوقف الانهيار في انتظار الفرج.

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سياسة العضّ على إصبع الوطن سياسة العضّ على إصبع الوطن



GMT 19:34 2025 الأربعاء ,12 آذار/ مارس

مسلسلات رمضان!

GMT 11:05 2025 الإثنين ,10 آذار/ مارس

ريفييرا غزة!

GMT 19:57 2025 الخميس ,20 شباط / فبراير

من «الست» إلى «بوب ديلان» كيف نروى الحكاية؟

GMT 08:38 2025 الأحد ,09 شباط / فبراير

اختلاف الدرجة لا النوع

GMT 19:29 2025 الأربعاء ,05 شباط / فبراير

الكتب الأكثر مبيعًا

نادين نسيب نجيم تتألق بإطلالات لافتة في عام 2025

بيروت ـ لبنان اليوم

GMT 12:43 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 20:36 2021 الإثنين ,08 شباط / فبراير

التفرد والعناد يؤديان حتماً إلى عواقب وخيمة

GMT 17:01 2017 الثلاثاء ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

صدارة شباك التذاكر العالمي تشهد تقلبات ومتغيرات كثيرة

GMT 00:16 2018 الثلاثاء ,05 حزيران / يونيو

هل يعود لبنان كما عرفناه صغاراً

GMT 15:46 2017 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

إينيس دي سانتو تطلق تصاميمها لفساتين الزفاف ٢٠١٨

GMT 07:39 2020 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

"ريد سوبا" المغربي يصدر جديده الفني "نيبالا"
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon