البناء والهدم وتعريف النصر

البناء والهدم وتعريف النصر

البناء والهدم وتعريف النصر

 لبنان اليوم -

البناء والهدم وتعريف النصر

أمينة خيري
بقلم : أمينة خيري

استبشرت خيراً بكل كلمة وردت فى رؤية «بداية جديدة لبناء الإنسان المصرى». الإنسان سيظل، رغم أنف الذكاء الاصطناعى والتطبيقات والمنصات والرقمنة والأتمتة وغيرها، هو أساس وقاعدة وكلمة السر فى أى بناء فى أى وطن.

البناء ليس «أسمنت وخرسانة وحديد» فقط، حتى لو كان البناء الأروع والأجمل، ومهما راعى طبيعة المكان وتاريخه وجغرافيته. كما أنه ليس البنى التحتية فقط، من طرق ومواصلات ومستشفيات وطاقة واتصالات ومدارس، وكل ما من شأنه أن ييسر الأنشطة الاقتصادية، ويوفر الوقت والجهد للمواطنين وللمؤسسات.

جزء أصيل من البناء هو الإنسان، إن لم يكن لأن الإنسان يستحق أن يحظى ببناء معرفى وثقافى وسلوكى وأخلاقى وتعليمى وعلمى يليق بالإنسانية، فلأن الإنسان غير القادر أو غير الراغب أو غير المؤهل للتعامل مع هذه البنى التحتية العظيمة والرائعة لن يسىء استخدامها، ويبخسها حقها فقط، بل ربما يعتبرها منافساً له على لقمة العيش أو عدواً له كان هو الأحق منها ليأكل ويشرب وينجب المزيد من العيال. ببساطة شديدة، المواطن الذى لم يتم الاستثمار فيه هو قنبلة موقوتة ستنفجر حتماً فى وجه البناء والتشييد والرقمنة والخدمات والإنجازات.

أعود إلى «بداية جديدة لبناء الإنسان المصرى» وأقول إن الحديث عن برنامج عمل يستهدف تنمية الإنسان، وترسيخ الهوية المصرية، وتنسيق الجهود بين كل الجهات فى كل أرجاء مصر من وزارات وغيرها حتى يشعر المواطن بالمردود الإيجابى فى فترة قصيرة كلام جميل وكلام معقول.

كما أن ما ورد فى برنامجها من إشارة إلى بناء الوعى، وإعداد أجيال تتمتع بقيم الانتماء لمصر، والحفاظ على مقدرات الوطن، والمشاركة الحقيقية فى التنمية رؤية أكثر من رائعة.

والحقيقة أن المبادرة تأتى فى وقتها تماماً، وذلك بعد ما أدت الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والشيزوفرينيا الدينية إلى ترد كبير فى تركيبتنا وسلوكياتنا وانتماءاتنا واهتماماتنا. وأضيف إلى ما سبق ما يجرى حولنا، سواء إقليمياً أو عالمياً، من مجريات حروب وصراعات وغيرها من قلاقل عنيفة، وقد نالنا منها نصيب كبير، فأمعنت فى إحداث المزيد من الخلل. إنه الخلل الذى يتضح فى تعاملاتنا اليومية، وتصرفاتنا فى الشارع، وأولوياتنا التى أصف الكثير منها بالالتباس والضبابية.

بالطبع تأهيل الكبار لمتطلبات سوق العمل، وصقلهم بالمهارات والتدريب هدف عظيم، ومن شأنه أن يسهم فى التخفيف من حدة الأوضاع الاقتصادية الموجعة، لكن أتمنى أن تشتمل فعلياً خطة «إعادة بناء الإنسان المصرى» على قدر وفير من ضبط زوايا السلوك، وتطهير الفكر الذى جعل التدين مقتصراً على الملابس والميكروفونات والعنف اللفظى والسلوكى مع كل مختلف، بالإضافة إلى الفصل التام بين الجوهر والمظهر، مثل أن نقيم زاوية للصلاة فى داخل مول تجارى وتصبح محط الإعجاب ونقطة جاذبة للتبرع بالمراوح والسجاد والمصاحف، فى حين أن المول محاط بالقمامة والمخالفات والإشغالات والروائح الكريهة والقبح المعمارى من كل صوب وغيرها الكثير.

أتمنى كل التوفيق لكل ضالع ومسئول ومشارك فى «بداية»، التى أعتبرها المكون الرئيسى لإعادة بناء مصر وتطهيرها مما علق بها من شوائب وأتربة وفيروسات.

وفى السياق نفسه، أرى اهتمام مواطنين عاديين، لا هم معماريون أو متخصصون فى الآثار أو دارسون للتاريخ، بما يجرى من هدم بمناطق أثرية، أحدثها هدم قبة حليم باشا التاريخية فى منطقة السيدة عائشة، علامة من علامات الوطنية والانتماء والتمسك بالهوية. هذا أمر رائع حقاً. والأروع أن نعرف أسباب الهدم، ونطلع على ملابساته، ونعرف الخطوات التى سيتم اتخاذها فى هذا الشأن، وهو شأن وثيق الصلة بـ«بناء الإنسان المصرى»، واستعادة ارتباطه بأصله لا أصل غيره، وتاريخه لا تاريخ الجيران، وهويته لا هويات هجينة.

الانتصار الحقيقى المرجو لمصر والمصريين هو النجاح الفعلى فى إعادة بناء الإنسان المصرى بناءً مدنياً سلوكياً معرفياً علمياً، فإذا نجحنا فى ذلك فعلاً لا قولاً، فإن النصر حليفنا.

وبمناسبة الحديث عن النصر، ولولا فداحة المشهد وبؤس الموقف، لقلنا إن متابعة ومراقبة المتنازعين على إعلان النصر فى الحرب الضروس التى تمددت من غزة إلى لبنان وأماكن وجود وكلاء حزب هنا وجماعة هناك أمر مثير حقاً. إسرائيل المعتدية الغاشمة المتغطرسة تقول إنها تنتصر. وحماس وحزب الله والحوثيون وإيران يقولون إن المقاومة تنتصر. والمؤسف والمرعب أن كل منتصر له قواعد شعبية فى شتى أرجاء الأرض يهلل لانتصار هذا وهزيمة ذاك، بينما أهل غزة تجرى إبادتهم دون هوادة، وأهل لبنان بين شقى رحا الجميع على مدار الساعة.

يجادل البعض أنه من المبكر إعلان المنتصر والمنهزم، لكن المشكلة لا تكمن فى توقيت الإعلان، بقدر ما هى فى ثمن الانتصار وكلفة الهزيمة. يقول البعض إنه حتى لو كان الانتصار الوحيد هو إعادة القضية الفلسطينية إلى جدول أعمال العالم، فهذا يكفى. وربما يجدر بنا أن نستطلع آراء أصحاب الشأن من أهل فلسطين ولبنان ودول الجوار عن رأيهم وتعريفهم أيضاً فى النصر والهزيمة.

 

lebanontoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البناء والهدم وتعريف النصر البناء والهدم وتعريف النصر



GMT 19:57 2025 الخميس ,20 شباط / فبراير

من «الست» إلى «بوب ديلان» كيف نروى الحكاية؟

GMT 08:38 2025 الأحد ,09 شباط / فبراير

اختلاف الدرجة لا النوع

GMT 19:29 2025 الأربعاء ,05 شباط / فبراير

الكتب الأكثر مبيعًا

GMT 11:46 2025 الأحد ,26 كانون الثاني / يناير

الرئيس السيسى والتعليم!

GMT 19:13 2025 الثلاثاء ,21 كانون الثاني / يناير

أصالة ودريد فى «جوى أورد»!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ لبنان اليوم

GMT 00:18 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 24 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 07:03 2024 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

أسبوع دبي للتصميم لعام 2025 يقدم معرض خواتم الرجال

GMT 08:55 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتسرّع في خوض مغامرة مهنية قبل أن تتأكد من دقة معلوماتك

GMT 15:59 2019 الأربعاء ,01 أيار / مايو

تواجهك عراقيل لكن الحظ حليفك وتتخطاها بالصبر

GMT 06:19 2024 الأربعاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024

GMT 16:26 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

بريشة : ناجي العلي

GMT 10:37 2026 الثلاثاء ,20 كانون الثاني / يناير

عون يهنئ شربل داغر بجائزة “نوابغ العرب 2025”

GMT 18:06 2025 السبت ,04 كانون الثاني / يناير

هاكرز يستهدفون تطبيق واتساب في أكبر أسواقه

GMT 17:28 2020 الجمعة ,11 كانون الأول / ديسمبر

أجمل موديلات تيجان عروس فخمة

GMT 19:02 2021 الجمعة ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أول رد عراقي بشأن درع إليسا الواقي بأول حفلاتها في بغداد
 
lebanontoday
<

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

lebanontoday lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday lebanontoday lebanontoday
lebanontoday
Pearl Bldg.4th floor, 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh, Beirut- Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon